فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 1574

وكأن سكن من حولنا فضاء البادية بصمته.

على الرغم من جلوسنا في باب مغارة السفح المطل على جنات الساحل الخضراء وزرقة البحر. تابع:

ـ (( نخلص من كل ما تقدم إلى أن الحياة على سطح هذه الأرض مغامرة.... ) ). سكت.

نطقت: (( والحياة هنا في هذه المغارة )

ـ (( مبدأ ) )!

نطق هذه الكلمة وألاح برأسه كأن أخذه شيء من العجب من جرأتي (( العفوية ) ).

ثم تابع: (( نعم، مبدأ، مؤاده: الحياة الحق ) ).

وأخذ ينظر في (( جنبات ) )مغارته. فشعرت، بدوري، وأنا على عتبتها، كأنني في داخل نفق شق تحت كتلة جبل عظيم. ثم أكدت وجودي فيما وأمعنت فيما تحتويه من أثاث بسيط، ومواد تافهة الأمر الذي جعلتني أفكر في شيخي سعيد مرة ثانية وثالثة. كيف يحجز كل هذا التقشف الزهدي في عالمه الذي التزم. وهو الذي تنعم بحياة الملوك وعرف كرسي السلطنة وأراني صرت أتحلّل في داخلي من فرط تعجبي، كما تحلل الأشياء في الطبيعة... غير أن غيمة وجهي عادت وانقشعت بعد لحظات. وامتلكت اتزاني. وها هي ذي بسمة ترسم على وجهي...، أم في وسط لحيته البيضاء الكريمة؟ بل رأيتها كما لو انشقّت زهرة جلنار نصفين أمامي. اختلجت دقائق جسمي. وسمعت وجيب قلبي. تركني وأولع شمعة في الحال دخلت فراشة وراحت تحوّم حولها. وكادت تحرق أجنحتها باللهب الأزرق. نطق بنبرة ذات وتيرة حارّة. كمن يفطن بشيء نفيس:

ـ (( الإنسان خلق مثل هذه الفراشة: ليحوّم حول النور الذي انبثق منه، منذ الأزل. فتراه يسعى إليه مسحورًا بندائه المحموم هذا، على إيقاع نزف عالم مجهول بالنسبة له ـ هنا ـ وأشار إلى الأرض.... ) ).

تساءلت في نفسي: (( ما العالم... ) )ولم أكمل. أجاب فورًا: (( هو العالم الذي لا ينتهي ) ).

أعوذ بك يا ربي، يدرك خلجاتي ولمع أفكاري!

وظللت عاجزًا عن فكّ طلسمه: ما العالم الذي لا ينتهي؟ تركني أفكر عفةً منه. وأخذ يتأمل نور الشمعة الملتهب أمامه بلونه المائل إلى الزرقة. ثم نطق:

ـ (( هذه الشمعة، تحكي قصة الإنسان فهو كرسم ممحو، يموت ليبقى ويفنى ليعيش، خارج الجسد نفسًا وروحًا، تتماسك ذراري ضيائهما في هوية مستقلة متماسكة، كالبرادة والمغناطيس. و() )).

ولم أعد أذكر كيف غمغم تلك العبارة المجهولة.

بعد أن فك عمه بصيرتي نهدت إليها علّها تخفف عني. وما إن دخلت الكوخ حتى تمتمت من خلف اللثام: أن أجلس. جلست.

ـ (( عفوًا، أنا بجلسة معه. عليك أن تصغي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت