وجدته هكذا صامتًا مطرقًا بعد أن عبرت باب السور وجثوت في ركن المعبد
حين رفع رأسه قال لي:
ـ (( يا أسعد، يعيش الناس على قطعة أرض يسمونها وطنا ً. يرتبطون بها رباطهم السرّي والسرري معًا.. ) )/ نفخ نفسًا طويلًا وأضاف:
ـ (( وتبلغ التضحية من أجلها درجة الموت استشهادًا.... ) )سكت.
هذه المرة قدر لي أن آخذ دوره وأعرف ما يعنيه. فأجبت:
ـ (( تراهم يُطرَدون منها بالقوة ـ أهله الأصليون ـ ويحتلونه جراء كذبة من تاريخ مزيف لشعب دموي شرير... ) )
وافقني بعد أن فرح مني وقال:
ـ (( أجل هم وحوش يشربون دماء الأطفال... ) ).
وارتفع صوته وحرارته... (( يجففون دماء الأطفال ويرشونها على (( عشائهم ) ). كالتوابل والبهارات... )) / واستغل فترة نطق الكلام عنده إذ راح يفنّد ما يد أبون إليه في أن يعيش العالم (( هنا ) )ـ ويعني الأرض طبعًا ـ بقلق وبلبال. لتسهل سيطرتهم عليه والتحكم به. يكرسون مجاهيدهم ليتهاوى الناس في بحور الإذلال والانكسار والانحلال، وصولًا إلى الجريمة والانتحار. على سطح هذه الكرة السوداء. لا الخضراء كما تتراءى للناظرين إليها من كبسولة فضاء... ))
ثمَّ رن في إذني استشرافه في تفاؤله الأبدي من وحي أن يتجنّب العالم الكارثة:
ـ (( لا بد للسواد من أن ينجلي ) ).
رجل له ميزة بحسّ (( التخمين) واختبار الزمن الآتي. بشفافية من يرى المستقبل ويقرؤه بحسّ واضح، كأنه يقرأ صفحة مكتوبة أمامه.
استذكرت مثلًا قديمًا كجواب: (( جنت على نفسها براقش ) )
ضحك. ثمَّ أخذ يحدد مسؤوليات الدمار الذي يحدث على هذه الأرض. و... كان كلامه تتمة لنبوءته.
(( الأرض ملك للجميع. والإنسان واحد على سطحها دون تميز. والإنسان جزء لا يتجزأ من هذا الكون المطلق... ) ).
نظرت إليه حين سكت.
غلّفت وجهه (( سرحة ) )مسكونة بالأسرار. لله دره من داعية خير وعدل وسلام!كم تبثّه الزرقة من كنوزها
ليتها تخصني بشيء منها.
تشظّى في ذهني ما يقال له (( الزمن ) ). ظننته توقف خلال برهة الصمت التي سادت بيني وبينه
عثرت عليه جالسًا على أريكته المعهودة. وقد ترك سريره الخشبي. مغطّى بشرشف أبيض نظيف. في غرفة الجمجمة ـ صومعته المعهودة.
طبعًا، يحب النظافةكان جسمه يقطر ضياء. كأن استحم منذ قليل.
ـ (( النظافة لدى المؤمن أقنوم رئيس في طقوس عبادته ) ).
قال ذلك وهو مسند جبهته بسلاميات أصابعه الناعمة الطويلة.
بعد فترة صمت أخرى فاجأني: