ـ (( كم اعجب بالحكماء الهنود، وبخاصة الحكيم(شري أتمانندا) ، والشاعر (شنكارا)
ثمَّ راح يتصفح كتابًا. كانت لغته (( الهندية ) )، التي يتقنها تمامًا. نطقًا وقراءة وكتابة.
قرأ فيه عن مبدأ رياضي روحي. مختص (باليوغا) .
ـ (( تمارين اليوغا تنقّي الذهن، وتصفي الدماغ. من الشوائب. مثل غربال يعزل الحب عن الزؤان... عفوًا ها قد حانت ساعتها ) ).
نهض عن الأريكة وجلس على سجادته منكبًا على تمارينه...
غام في داخل عينيه، في أغوره الباطنية...
بقيت صامتًا إلا عيني تنظران....
وانتظرت....
بعد فترة نهض مشرق الوجه، كمن عاد من نزهة، أخذ يدندن أغنية لفنانة مشهورة:
(( يا جبل البعيد خلفك حبايبنا ) )
ـ (( يا أسعد الحبايب شاهدتم هناك خلف الجبل البعيد، وراء مدارات الزرقة الباهرة... ) )
استردّ شهقة طويلة. كأنه يبحث عن دموع فرح سخية.
ـ (( كم سعدت برؤياهم... ) ). وسكت.
حقيقة دهشت منه. لم أعلم من قبل، على الرغم من ملازمتي له، أنه يتراخص مع نفسه، ليحرك شفتيه بأغنية. أكد أنا مع موسيقى الروح ومع أغنية القلب الموحية، الموصلة، لما بعد القمر والكواكب ألم تقل لك أم الخير ذلك )) ؟
بعد أن سكت استأنف:
ـ (( آه....أراني أذوب وجدًا لرؤية (( الحبايب ) ). اييه....السفر أضحى أمنيتي الوحيدة. في هذه الأيام يا أسعد. طالما الجسد ما زال حجاب الروح ولعقل في هذه الأرض. وطالما أن الإنسان يستمرئ العدوان والشعر ولا يرضى بالعودة إلى ما كان عليه في البدء. فهو هنا يتدّثر بحزنه الأبدي.
وهناك في حنايا الزرقة يسعد بنعيمه الذي لا ينتهي )) .
وتكلم أيضًا كلامًا آخر، يستعجل نفسه للموت. بغية الخلاص ومغادرة هذا (( العالم الشقي الفاني ) )...
ـ (( فسفر الموت لا بد منه لكل مخلوق. عاجلًا أم آجلًا... ) )
نطقت وأنا مضطرب:
ـ (( ما هو مصيري؟ أنا الذي مازلت معلقًا بالهواء ) ).
ـ المعلق بالهواء خير من الذي يسقط على الأرض أعتقد قلت لك سابقًا ذلك )) .
ثمَّ وقف وتناول عن الرف ديوانًا لـ (شنكارا) وطفق يقرأ فيه شيئًا من شعره الصوفي الهندي المعروف، وهو يترنح بطوله السامق، على إيقاع موسيقى داخلية. تؤلفها له جوارحه.
قرأ أبياتًا عدة ونطق البيت الأخيرة من قصيدة طويلة، بصوت عال:
(( أنا شيفا.... أنا شيفا ) ). عرّبه لي: (( أنا الوجود الحق... أنا الوجود الحق ) ).
أول مرة أراه ينس أو يعترف ، قال:
ـ (( الكمال لله تعالى. فطنت، انتويت أن أتكلم مع معلم لي آخر ) ).
ـ (( من ) )؟ / نطقت.