وأخذ يتكلم عن مطاعم لندن وجوها، والدكتور نادر وتاج ينتظران أن يكف عن الكلام في صمت، وصبر السيارة منطلقة في الشوارع الملتوية تضيق مرة وتتسع أخرى، والمارة بمظلاتهم يملأون الأرصفة وواجهات الدكاكين المضاءة، والبنات بديولهن القصيرة وأحذيتهن العالية السيقان وجوارهن الملونة ووجوههن المصبوغة وأهدابهن الصناعية، تعطي المدينة مظهرًا حالمًا غير واقعي، كأنه في صفحات كتاب ملون.
وعادت ذاكرة الدكتور نادر به في ومضة خاطفة إلى بلدته الصغيرة على البحر الأبيض. فاستعرض في خياله الشوارع القصيرة الجدران، المبلطة بالحصى الأبيض، والبيوت المربعة الأوباب بنقاراتها المستديرة أو المنحوتة في شكل يد يحمل كرة حديد والحيطان البيضاء المائلة إلى الزرقة، والنساء والرجال الملفوفين في الأصواف ناعسي العيون يتحركون كظلال الأشجار على الأسوار القديمة.
وتحركت السيارة بعد وقفة طويلة عند ضوء أحمر، فأفاق من شروده، واغتنم فجوة سكوت السائق، فدفع اللوح الزجاجي الفاصل بينهما، وعاد يتكىء ويبحث في ذهنه عن موضوع حديث مع تاج. وأخيرًا تذكر:
-كدت أنسى.
-ماذا؟
-رسالة والدك.
-هل تسلمت منه رسالة أنت الآخر؟
-وجدتها في بريدي هذا الصباح. بها دعوة حارة لي لزيارة الجمعية الانثروبولوجية بفيجى والمحاضرة بها عن نظريتي الجديدة، ومعها تذكرة طائرة! لابد أن والدك واثق من قوة إقناعك. فمن أدراه أنني سأقبل الدعوة؟
-أؤكد لك أن تلك طريقة والدي في العمل. إذا كانت له رغبة في شيء دفع ثمنه في الحال حتى يبدد الشك!
-أنا متأكد أنك السبب الأول في هذه الدعوة. قال لي في رسالته إنه قرأ أغلب فصول الكتاب، فمن أرسله إليه؟ الكتاب لم يكمل توزيعه حتى في مدينة لندن.
-أعترف بأنني بعثت له بنسخة منه. ولكنني أقسم صادقة أنني لم أحاول أن أؤثر فيه في مسألة دعوتك. وإن كنت أرحب بالفكرة، فبعد الإرهاق والإجهاد الذي أصابك أثناء إعداد الكتاب، لابد أن عطلة على شواطىء"فيجي"ستريحك تمامًا.
-أنت تضربين على أوتار ضعفي. تعرفين أنني مرهق وأحتاج إلى الراحة، وقد سمعتني مرارًا ألْهج بالفرار إلى جزيرة، فاقترحت"فيجي". وتعرفين أنني أكره شتاء لندن الحزين، فاخترت نصف الكرة الصيفي،"إن كيدهن عظيم!".
وضحكت تاج، فانفرجت شفتاها عن مبسم كالأقحوانة، وقالت: