فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 1574

وما اقتربا من الواحة حتى كان الجميع يتطلعون إلى القادمين الغريبي المظهر.

ومر الدكتور نادر ووراءه تاج تبتسم للسيدات وهو يحيي الرجال فيردون التحية بأصوات خفيفة فيها تردد وشك.

ومن بين الخيام الوبرية الثقيلة كان يخرج أطفال سمر نحاف تلمع عيونهم الكبيرة وهم يحملقون في تاج ونادر ثم ينضمون إلى الموكب.

وخرج شاب طويل القامة، قويُّ الملامح، ذو عينين شديدتي السواد وحاجبين كثيفين. ووقعت عينا تاج في عينيه فأخافتها نظرته، وأسرعت خلف نادر تتعثر في ثوبها وتكاد تلتصق به.

وقاومت الرغبة في الالتفات لترى هل ما يزال يخترقها بسهامه.

والتفت الدكتور نادر إلى تاج وسألها:

-هل عندك منديل؟

-أعتقد أنه في حقيبة يدي.

وأخذت تبحث فيها حتّى أخرجته، وقالت:

-لماذا تريده؟

-غطي رأسك...

وتغطت تاج بالمنديل وعقدته تحت ذقنها، وسارت تحت نظرات العيون النفاذة من وراء الأقنعة الزرقاء والوجوه الملوحة، والدكتور يرفع يديه بالتحية حتى وقفوا على باب خيمة كبيرة. ودخلها الرجل الصحراوي فمكث قليلًا ثم عاد يدعو الدكتور ورفيقته إلى الداخل.

ودخلا ليجدا رجلًا مسنًا مهيب الطلعة أبيض الشعر جالسًا على حشية، وفي يده سبحة وهو يحرك شفتيه دون صوت.

وتقدم الدكتور نحوه:

-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ورد الرجل بابتسامة محببة:

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلًا وسهلًا. تفضلا...

وأشار بيديه إليهما ليقعدا على الحشية أمامه، وهو يتمتم بالتسبيح في خشوع لحظة دون أن ينطلق. ثم جمع السبحة في قبضة يده النحيلة المعروقة والتفت للدكتور نادر:

-أهلًا بابن العرب. وما جاء بكم إلى هذه الأصقاع؟ وتنحنح الدكتور مستعدًا للكلام:

-يا مولانا الشيخ، لقد احترقت طائرتنا في الفضاء، ونجانا الله منها بلطفه. والآن نجد أنفسنا هنا لا علم لنا بأقرب مدينة أو طريق إلى حيث نخبر أهلنا بأننا ما نزال على قيد الحياة.ونظر الشيخ بابتسامة استغراب إلى الدكتور وسأل:

-وكيف نزلتُما من طائرة تحترق؟

فالتفت الدكتور إلى الرجل، وطلب منه أن يأتي بالمظلة ففعل، ووقف هو أمام الشيخ ونشرها على الأرض.

-بهذه يا مولانا يمكن للإنسان أن يتعلق بالهواء، وينزل سالمًا على الأرض.

وحرك الشيخ رأسه دون أن يدري أحد هل تصديقًا أم استغرابًا أم استهزاء.

وفكر قليلًا ثم قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت