فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 1574

لم يكن في القاعة أحد. وتقدم نادر بخطوات ثابتة نحو الكرسي الأقرب إلى وجه"معاذ"، فجلس وجمع أطراف ردائه، ثم أدخل يده إلى جيبه فأخرج الغلاف وفتحه وأخرج البطاقة فوضعها على سطح المربع المضاء أمامه، وشبك ذراعيه ينتظر رد فعل"معاذ".

وبعد لحظة نزل سائل أزرق على الحمم الحمراء فأطفاها رويدًا رويدًا. وظهر من خلفها وجه هائل ملأ الفجوة الكبيرة بتقاسمه الخشنة، وقد غطت ذقنه وخديه لحية منفوشة. كان الإرهاق باديًا في العينين الكبيرتين، ممزوجًا بالألم والغضب..

وانفحت الشفاه بين غابة اللحية الكثيفة لتقول:

-ماذا كنت تنظر؟

ورد نادر:

-لم أكن متأكدًا من أنها امتحان لي لدخول حلقة الخواص.

وانسدل الجفنان على العينين الواسعتين كأستار مسرح مزدوج الواجهة، وانفرجت الشفتان على ابتسامة ساخرة. ثم تحرك رأسه يمينًا ويسارًا في غير تصديق.

-تعني أنك جئت لتقول لي أسرار الجمعية التي وضعت كل ثقتها فيك؟ أنا لا أومن بمبادئهم، وأعتقد أن فكرة"الجودي"أصبحت أكبر منهم، بل تجاوزتهم بمراحل..

-إذن أنت لا تعتقد أنني مجنون، وأنه يجب إعدامي؟

-أبدًا. أعتقد أن ما يرونه منك هو بمثابة ما يراه الحيوان من تصرف الإنسان، بعيدًا عن مرمى إدراكهم البشري.

-أليس بعيدًا عن إدراكك أنت؟

-أنا راغب في المعرفة والتجربة. وفوق كل شيء في ثقتك فيَّ..

وتنهد"معاذ"ثم قال:

-لو كنتُ مخلوقًا بشريًا لصدقتك. ولكن الآلة لا تخطيء. وذلك هو الفرق بيننا. حساباتي وتحاليلي لمزاجك في الأيام الأخيرة أبرزت نتيجة واحدة، وهي أنك تنطوي على الانتقام والتخريب!

وارتعش جسد نادر، ولكنه تماسك ليقول:

-هناك مشاعر لا سيطرة للمخلوق البشري عليها. ولكنها غير باقية. الانتقامُ أحدها. ولكنك نسيت أنني عالم ما يلبث عقلي أن ينتصر في النهاية على عواطفي. ولأُبَرْهِنَ لك على هذا فقد جئت باقتراح أرجو أن تساعدني على تنفيذه.

وتوجهت العينان نحوهُ بنظرة ثاقبة، فتابع دون توقف.

-أريد أن أموت!

وانفتحت العينان، وظهرت على الوجه علائم المفاجأة، وسأل"معاذ":

-تريد أن تموت؟!

-نعم.

-والسبب؟

-السبب علميٍّ محض. أعتقد أنني بلغت من النضج ما يؤهلني للمتعة القصوى باكتشاف ما وراء الغيب.. الموت هو الأمنية الأخيرة لكل فيلسوف جرب كل باب من أبواب المعرفة..

-كان يمكنك أن تنتحر لتحقيق هذه الأُمنية. لماذا جئتني بالاقتراح؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت