فهرس الكتاب
ـ قاتل الله (زكي بك) .. أتدرون أنه بثّ عيونه في الأيام الأخيرة له لمراقبة تحركاتي من الصباح إلى المساء؟! كنتُ أراهم في كلّّ مكان أذهب إليه، لقد حاصرني ذلك المجرم حصارًا رهيبًا، وأكثر من ذلك أنه طلب منّي بتهديد مبطن أن أشي بالوطنيين الثائرين مقابل إطلاق يدي في أمور اللواء، وعندما رفضت هدّدني بالطرد والنفي إن لم أستجب خلال عشرة أيام، فسخرت منه، وهددته بأنني سأتوجّه إلى الأستانة مع وجهاء اللواء محمّلًا بعريضة موقّعة من كافّة شرائح المجتمع معلنة فساد الوالي وطغيانه. ضحك وقتذاك وقال معتذرًا: إنني أمازحك يا علي بك. قاتله الله كان ساديًّا يتلذّذ بتعذيب الآخرين حتى مع أقرب خلصائه.. إنه لا يثق بأحد، ويتمنى الموت للجميع. قال لي أحد حراسه وكان وطنيًا: والله يا علي بك حاولت أكثر من مرة اغتياله، لأخلّص الجزيرة والفرات من شروره وآثامه، لكنك لم تعطني الأمر بذلك، وعندما قررت قتله دون إذن منك شفع له قرار نقله، وروى لي قصصًا تقشعرّ لها الأبدان عن عمليات تعذيب الأرمن، والتفنّن بقتلهم.. على كلٍّ الحمد لله الذي أزاح ذلك الكابوس عن البلد وأبنائه.
قال المختار:
ـ أخشى أن يكون عبد القادر بك مثله.
ردّ علي بك بصوت عالٍ:
ـ لا يا أبا عدنان. عبد القادر بك رجلٌ مثقّف ولطيف. أعرفه جيدًا، وقد وافق على إصدار جريدة باللغتين العربية والتركية، سأجعلها منبرًا حرًّا للأدباء والمفكّرين والوطنيين الأحرار بإذن الله.
وقف أبو أحمد الصباغ، وهو في حالة يُرثى لها، وقد أثقلته الهموم والمتاعب، فاقترب منه علي بك، واحتضنه، فأجهش أبو أحمد باكيًا متمتمًا:
ـ ولدي أحمد يا علي بك. أرجوك أنقذه. إنه يقتل نفسه.
ـ ألمْ يصْحُ بعد؟
ـ لا والله.. إنه يزداد سوءًا. لا يأكل إلاَّ ما يسدّ به الرمق، أهمل نفسه، وأطال لحيته، وصار يهذي في الحلم واليقظة، حتى اتّهمه الناس بالجنون. أرجوك قل لي ماذا أفعل؟
ـ يجب أن تزوّج ابنك بأسرع وقت يا أبا أحمد، وأنا على ثقةٍ بأن الزواج سيخرجه من تلك الصدمة.
ـ أزوّجه؟ ممّن؟!
ـ أرسله إلى مكتبي قبل صلاة الظهر، وسأناقش معه هذا الموضوع.
همّ أبو أحمد الصباغ بتقبيل يد علي بك. إلاَّ أن عليًّا أزاح يده بسرعة، وحال دون تقبيلها قائلًا:
ـ أستغفر الله.. لا يا أبا أحمد. أرجوك ألاّ تفعل ذلك ثانيةً، فأنا أخوك ورفيق دربك، وإذا لم أقف إلى جانبك في الملمّات، فمتى سأقف؟: