فهرس الكتاب
ـ والله يا أبا راغب، لقد جاءني أخي وصالحني، لكنه عاتبني لأنني نقلت إليك ما جرى بيننا.
ـ المهم أن الأمور سارت بهدوء، وأن المياه عادة إلى مجاريها.
ـ الحمد لله، وكل الشكر والتقدير لك يا علي بك.
ـ وطارق.. ما أحواله؟
ـ طارق كان بودّه الحضور لولا أنه تعب من السفر أما أحواله العائلية فهي ممتازة والحمد لله.
ـ وفّقه الله، قل له بأنني أتوق إلى رؤيته.
ـ إن شاء الله سيحصل ذلك.
قال المختار مستفسرًا:
ـ أحد الأئمة عندنا أفتى بتكفير كلّّ من يقف مع الفرنجة ضد الأتراك المسلمين، ويعدّ ذلك ـ إن حدث ـ خروجًا على الدين، فما رأيك؟
ـ مسكين هذا الإمام، سيدرك فيما بعد خطل رأيه وخطره، ومن ثم لا يحقّ لإمام مسلم أن يكفّر مسلمًا صحيح أن بعض الأئمة مشبعون بالفكر السلفي، وأن الأتراك قَدْ جنّدوهم لخدمة مآربهم الخبيثة:
أظهروا للناس دينًا ... وعلى الدينار داروا
وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا
لو بدا فوق الثريّا ... ولهم ريشٌ لطاروا
هؤلاء يا مختار الدين الإسلامي الحنيف بريء منهم، ولا يمثّلون الوجه الحقيقي للشعب الفراتي العظيم.
قال أبو ياسين:
ـ يا أبا راغب.. منذ يومين قال لي أحد الضباط الأتراك ـ عندما جاء إلي لأصلح سلاحه الفردي ـ كلامًا يشي بقرب الخلاص.
ـ أجل يا أخي، فالقوات التركية تقهقرت في كلّّ مكان، لكن لن يتحرر الوطن العربي، بل على العكس سيتجزّأ إلى دويلات يخضع قسم منها لفرنسا وقسم لإنجلترا، وبقية الدويلات إلى الدول الحليفة.. الوضع سيصبح خطيرًا يا أبا ياسين، وسبق أن قلت لكم إن الأيام القادمة لن تكون مريحةً أبدًا.. محَنٌ وهموم ثقال.. وغدًا ستقرؤون في صحيفة (الجول) مقالات وقصائد ربما تعترض طريق المناضلين.. ستقرؤون ربما لآخر مرّة خطورة ما يكتب الأدباء والثوار.
ـ ماذا تعني يا أبا راغب؟
ـ أعني بأن الطريق لن يكون ممهّدًا لأقلام الثائرين، وأن دروبهم محفوفة بالمخاطر.
وحدث ما توقّع علي بك. لقد غُرست الأشواك في أيادي الأدباء والثوار، والعلماء المتنوّرين، لكنهم استطاعوا بعد جهدٍ جهيد اقتلاعها، وكلهم عزم وتصميم على المضيّ قُدُمًا نحو التحرير.