فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 1574

تسلّلت الصحيفة إلى قلب الأستانة، ودقّت الباب العالي بعنف، وخلعت عمامة الصدر الأعظم، وأشاعت البلبلة في صفوف السلاطين، وعمّقت شرخَ الحدث، فكان هناك تياران متناقضان تقاسما تحليل الواقع ورسم ملامحه وأبعاده. قسم كان يصرّ على الخلافة الإسلامية بكلّ عجرها وبجرها، وهذا ما أراح الولاة والقادة الأتراك، والقسم الآخر كان يرى ضرورة الخروج من الرداء التركي، والمعطف الأوربي، وكانوا يحلمون بالخلافة العربية. وكان لكل قسم أنصارٌ ومؤيّدون، وهذا ما أثار حفيظة الأتراك، فضيّقوا الخناق عليهم إلى درجة أن هاجر بعضهم إلى دمشق وحلب ليكونوا باستقبال الفاتحين العرب الذين علَت بشائر نصرهم سماء الوطن العربي.

كان علي بك ينظر بإشفاق إلى ما آلت إليه حال أحمد الصبّاغ.. مازالت عيناه دامعتين، ونظراته ساهمة، وجسده يرتجف دون برد.. يضغط بأسنانه على شفته السفلى كلّ آونةٍ حتى تكاد تتمزّق، ثم ينكّس رأسه، ويرفعه بتثاقل.. لقد فقد الأمل من عودة زوجته وولده، كان كلّما نظر إلى صورتهما التي أبدعها فنان ديري بقلمه الفحميّ.. يجهش بالبكاء حتى تقرّحت أجفانه، وكان يلوم نفسه ويحمّلها مسؤولية رحيلهما..

همّ أكثر من مرّة بالسفر إلى حلب، ليبحث عنهما، لكنه لم يزرْ حلب يومًا، وخشي على نفسه من الضياع، وفي آخر مرّة صمم على السفر مهما كانت العواقب، لكنه تراجع من جرّاء تعنيف والديه وغضبهما منه، فآثر الاعتكاف والبكاء على آثارهما في البيت.

كان يرى الدنيا ومن فيها سرابًا خادعًا، ووهمًا زائفًا، لكن خيالهما ما غاب يومًا عن عينيه، يرى طيفهما من بعيدٍ يلوّحان له، فيهرول بكلّ الشوق الكامن فيه، وعندما يختفيان عن ناظريه، يجلس على الأرض، ويهيل التراب على وجهه وجسده، ناشجًا متهالكًا، حتى استدرّ الشفقة والعطف من وجوه السابلة..

قال علي بك بعد طول تأمّل وتفكير:

ـ اسمع يا أحمد.. لقد أرسلت في طلبك، لأناشدك الله أن ترحم نفسك ووالديك.. النساء كثيرات، وسيلدن لك أكثر من طفل تقرّ به عيناك. أرجو أن تثق بالمستقبل المشرق الذي ينتظرك، وأن تهتم بنفسك وبأبيك الذي ما عرف الراحة منذ بدء هذيانك، واعلم أنني لن أسمح باستمرارية هذه الحالة لديك.

رفع أحمد رأسه بتثاقل، وقد ترقرقت دمعتان على عينيه، وقال بصوتٍ خفيض:

ـ أعطني حلًا يا علي بك؟

ـ الحلول كثيرة جدًّا يا ولدي، وأيسرها أن تتزوج

ـ أتزوّج بعد أم سوري؟ محال ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت