فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 1574

ـ هذا وفاء أقدّره فيك وأجلّه، ولكن للضرورة أحكام

كنتُ من كربتي أفرّ إليهم ... فهمُ كربتي فأين الفرارُ؟

يا علي بك، والله لن أنساهما ما حييت.

ـ اسمع يا بني:

إذا ثارت خطوبُ الدهر يومًا ... عليك، فكن لها ثبْتَ الجَنانِ

هكذا أوصانا آباؤنا وأجدادنا.. يجب أن نصمد لا أن نتهاوى ويتملّكنا الجنون من أوّل خطب.. أنت رجلٌ وأهلُكَ بحاجةٍ ماسّة لعطائك، والوطن الجريح ينتظر منك الكثير..

ـ لكنْ، أين أجد مثل أمّ سوري؟

ـ ستجد أفضل منها إن شاء الله.. إن أردتَها أرمنية فالفوج القادم غدًا، سأرافقك إلى الشاطئ رغم المنع والتشدّد، وستنتقي أجمل الفتيات، وإن أردتَ من بنات مدينتك، فكثيرات لا يبحثن إلاَّ عن الستر، ويتمنّين شابًا مهذّبًا مثقّفًا وصنائعيًا دؤوبًا مثلك. ما رأيك بابنة المختار؟ سعدى شابة ناضجة واعية، رأيتها منذ عدّة أيام عندما زرتُ أبا عدنان، فأدهشني جمالها ومنطقها، ولو كان لديّ ولد عزَبٌ ما ترددتُ لحظة في خطبتها له.

ما رأيك بابنة أبي سلطان؟ سلطانة شابة جميلة، ومحدّثة لبقة، كلّ شهر تختم القرآن الكريم، كنت والله أتشهّى رؤيتها والحديث معها كلّما زرتُ أبا سلطان.. كانت تسألني دائمًا عن آخر التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتحاور أفضل من كثير من الرجال.

قال أبو أحمد فرحًا:

ـ ونِعمَ الرأي رأيك يا أبا راغب، ولو أني أميل كثيرًا لابنة المختار، فالمختار رجل طيب وشهم ووطني وثري أيضًا.

قال أحمد وهو يهزّ رأسه أسفًا:

ـ والله لو تزوّجتُ أجمل البنات، فلن أستطيع أن أحبّها كما أحببتُ أمّ سوري.. طوال عام ونيّف كانت تسهر على راحتي وصحتي، وتخدم أهلي.. تفهم ما أريد قبل أن أتفوّه بكلمة واحدة.. لا تنام قبل أن أعود، ولا تأكل قبل أن أمدّ يدي إلى الطعام، ولا تشرب قبل أن تعرض الماء عليّ وعلى أهلي.. آه يا علي بك.. لو رأيتَها كيف كانت تصلّي لله، وكيف كانت تدعوه وتناجيه لعذرتني والله.

ـ يا أحمد كن واقعيًا. أرجو ألاّ تعيش في الخيال، وتغرق في بحر الماضي. صحيح أنّ ذكرى زوجتك عطر، لكن لو كانت تحبّك حقًّا لَما آثرتْ عليكَ أحدًا في الدنيا، حتى لو كان أمها وأختها. أنا لا أشكّ أبدًا في إخلاصها، لكنها رحلت وتركتك وحيدًا. أرجو أن تقدّر مسؤوليتي تجاهك، واعلم أنني لن أدعك تعيش بظنونك وهواجسك إلى ما شاء الله.. أرجوك يا ولدي أن تعيش الراهن بكل ما يحمل من مسرات وآلام. أما سمعت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت