فهرس الكتاب
ومن عاش في الدنيا فلا بدّ أن يرى ... يجد من العيش ما يصفو وما يتكدّرُ
عليك يا ولدي ألاّ تستسلم وترفع الراية البيضاء من أوّل هزيمة حلّت بك.. أمامك وقتٌ عصيب.
نحن اليوم في ظل حكم الأتراك، وغدًا ربما مع البريطانيين أو الفرنسيين، أو كليهما معًا، والله أعلمُ من سيأتي بعدهما.. أنت يا أحمد رجل ناضج، والوطن بحاجة ماسّة إليك، كما هو بحاجةٍ إلى كلّ جهد، يطلب من أيّ وطنيٍّ غيور، ولتعلم أن دورك في الحياة السياسية مهم، وهذا يتطلب منك رباطة جأش، ومزيدًا من الثبات، وتجاوزًا للماضي المؤلم.. إنّ لك يا أحمد دورًا أراه مهمًّا في حركة النضال ضدّ قوى الاستعمار والاحتلال، فلا تبخل على وطنك بما تملك من مواهب وقدرات.. صدّقني يا ولدي إنّ الشباب في الخليّة الثورية لا يتذكّرون نساءهم ولا أولادهم قدْر ما يتذكّرون حاجة الوطن إليهم.. يا أحمد، الحياة لن تنتهي برحيل امرأة وولد، ولا بأبٍ وأم وأخ.. الحياة بحر متلاطم الأمواج. البقاء للأقوى والأصلح والأتقى دائمًا.
أرجوك يا ولدي أن تعي كلّّ كلمة قلتها، فأنا والله أحبك مثل ولدي، كما أحبّ أباك هذا الجالس إلى جانبك، والذي أصبحت حالته تقطّع نِياطَ القلب.. ليتك رأيته البارحة في المضافة وهو يبكي كطفل صغير من أجلك.. أرأف به أرجوك، وارحم أمّك التي لم تنم ليلة هانئة كبقية النساء منذ هذيانك وصيحات الأولاد وهم يعدون خلفك، ويرجمونك بالحجارة قائلين: جاء المجنون.. ركض المجنون.. اختفى المجنون.. كنت ولا شك تسمع جيدًا كلّّ ما يقال عنك وتتجاهل أقوالهم، أليس كذلك؟
هزّ أحمد رأسه عدّة مرات، ثمّ قال بهدوء:
ـ لا يهمّني ما يقوله البشر عني!
ـ لا يا أحمد. كلام الناس ألسنة الحق.. يجب أن تعي جيّدًا كلّّ ما يقال، وتفكّر فيه.. أرجو أن تثبت للناس أنك عاقل ومناضل شريف، ولست أبلهَ أو مجنونًا كما يتصوّر بعضهم.
صمت أحمد طويلًا، ثم ما لبث أن رفع رأسه عاليًا، ووقف، ثمّ تقدّم نحو علي بك، وعانقه، وبكى على كتفه طويلًا، وعلي بك يربّت على ظهره قائلًا: