فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 1574

ـ أفرغ عبراتك يا ولدي، وارحمْنا.. أذكرك مرّة أخرى بحاجةِ الوطن إليك قبل أي حاجة أخرى.. نحن يا أحمد مازلنا نعيش مرحلة حرجة، وواجبنا أن نسخّر كلّّ إمكاناتنا وقوانا كي نستطيع تجاوز المحنة، ويؤسفني أن أقول لك إنّك كنتَ بعيدًا عنّا، منشغلًا بحب زوجتك وولدك، وهما عندك بعد الله.. كان من الواجب عليك أن تكون متقدّمًا صفوف المناضلين مثل أبيك، وان تتحمّل مسؤولية المرحلة الصعبة التي نعيش في دوّامتها جميعًا.. لن أسمح لك أن تظل على هذه الحال المُزرية، وإلاّ كنتَ غير جدير بالرعاية والعناية. ستحضر مجلسي مع أبيك، وتتعرّف على رجال النضال، على شباب نذروا أنفسهم من أجل الوطن، وهي مناسبة أيضًا لنخطب لك الليلة سعدى بنت المختار، وسنفرح بك، ونقيم لك الاحتفال اللائق، فما رأيك؟

جفّف أحمد دموعه بمنديله القطني، وقال:

ـ كما تشاء يا علي بك وسأكون عند حسن ظنّك بي.

ثم اتّجه نحو والده الذي كان يبكي فرحًا، فقبّل يده، وعانقه ناشجًا.

قال علي بك:

ـ أريدك يا أحمد أن تأتي الليلة بأبهى حلّةٍ إلى المجلس مع أبيك.

ثم أخرج من دُرْج طاولته مالًا دسّه في جيبه، ولم تُجْدِ محاولات أحمد عن عدم قبوله أمام إصرار علي بك الذي قال له:

ـ هو مبلغ بسيط لتشتري اللباس اللائق، واعلم أنني لن أتخلّى عنك ولا عن أبيك ما دمتُ حيًّا، وسأدفع الليلة مهرك ذهبًا خالصًا، وسيشهد رفاقك فرحك.. ستكون الليلة يا أحمد متميزة بحضورك.. هيّا يا ولدي، أريد أن أراك دائمًا بخير وسعادة.

أبي المختار إلاّ أن يكون حفل عقد قران أحمد على ابنته سُعدى في بستانه الكبير...

سعدى لم تكن فتاةً عادية .. كانت رائعة الجمال، طويلة، آسرة، في وجهها سُمرة الأرض، وعلى جسدها المكتنز ظلال الغَرب والطرفاء، وفي عينيها العسليتين طعم الشهد، وفي شلاّل شعرها الفاحم عتمة الليل وأسراره لم تكن لتوافق على أحمد لولا رؤيتها حاله بعد أن فارقته هاصميك .. كانت تشفق عليه، وتكبر ُ فيه هذا الوفاء، حتى تمنت من الله أن يهبها زوجًا وفيًّا مثله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت