فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 1574

…كانت كفر جنِّس محطتي الملائمة. إلى يافا. فمن حين إلى آخر، اقتنص ساعات من وقت الفراغ أو الراحة في المحطة، أقصد الأحباب فيها. أصبح ذلك جزءًا من حياتي. ورغم عناء الرحلة، لتنقلي بين وسائل المواصلات المختلفة، خلال القرى العربية والمستعمرات اليهودية، الواقعة بين كفر جنِّس ويافا، إلا أن ذلك لم يثنني عن مواصلة زياراتي لهم هناك، فأنسى عند اللقاء، مشقة الطريق وعناء الرحلة. أما الآن فقد بعدت الشقة بيني وبينها، رغم أن المسافة أضحت أقصر إليها، غير أني لن أتمكن من التوجه إليها، بتلك السهولة، وكلما شئت كما كنت أفعل من قبل. بلى إنني لنادم على ذلك اليوم، الذي قصصت فيه على والدتي حكاية الضبع، الذي تربص بي في كفر جنِّس، مما أسفر عن التطورات اللاحقة التي أفضت بي إلى ماأنا فيه الآن، سواء كان ذلك بطالة عن العمل، أو كان حرماني من يافا ومن فيها .. (هل كان الضبع سيأكلني فعلًا..؟ ألم أكن متسرعًا وغبياًّ أيضًا إذ فعلت، فجنيت على نفسي بحماقتي ..؟ وحين قصصت عليها ذلك، هل كان الخوف هو دافعي، أم كانت المباهاة بشجاعتي في مواجهة الضباع ..!؟ الأمر سيان على أية حال، والنتيجة واحدة) . كان في وسعي أن أحتاط للأمر، عن طريق الضوء، بمصباح أكثر سطوعًا، أو حتى علبة ثقاب. ألا يقولون أن الضباع تولي هاربة أمام الأضواء، تمامًا كالخفافيش ..!؟ أما وقد حدث هذا، فلا بد من وسيلة أو حيلة. أجل لماذا لا أحتال على الوالدة بطريقة ما للذهاب إلى يافا؟ بعد تدبر وإعمال للفكر، وجدتني أزعم لها بأن هناك من أنبأني بأن ابن العم محمد طريح الفراش. لكنها فاجأتني بسؤال أدخل الفزع إلى نفسي، حين تساءلت: (من أنبأك هذا..؟) . بادرت إلى الرد بأنه سعيد الجمل القادم للتو من يافا هو من أنبأني ، (أفلا ترين يا أمي أن الواجب يقضي أن أعوده ..؟) .

…أكبَرت فيَّ والدتي، هذه الأريحية، بل أضافت بأنها هي أيضًا سوف ترافقني إلى يافا قائلة:

…- الواجب واجب يا بني .. (اللي يشوفك بعين شوفه بعينتين ..!)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت