…لابأس من ذهابها معي. أما محمد فلسوف أتدبر الأمر معه فور وصولي، لتغطية (كذبتني البيضاء) ، التي لم يكن دافعي إليها سوى رغبتي الجارفة، لرؤيتها. أجل لم أعد أطيق البعد عنها زمنًا كهذا، أنا الذي يحلم برؤيتها كل يوم. وحتى هذه الزيارة - التي لا بد أنها ستكون سريعة خاطفة - لن تطفئ ضرام الشوق إليها. وإذا كنت في هذه المرة استطعت أن أحقق رغبتي بأكذوبة اختلقتها، وصدقتها أمي لحسن نيتها، ولثقتها بي التي لا تشوبها شائبة، فمن لي برؤيتها بعد ذلك كلما اجتاحني الحنين إليها ..؟
….. هل أحدث أمي في أمر خطبتها؟ خطبة وحسب. هناك من هم أصغر مني سناًّ يفعلون ذلك، والأمثلة أكثر من أن تحصى في قريتنا هذه. أم تراني نسيت بأن (خطاّبًا) تقدموا إليها، كما أخبرتني العمة أم ابراهيم ..؟ هل أظل صامتًا إلى أن (تطير) من يدي ..؟ سأقنعها بأنها سوف تكون (كنَّة يافاوية) جميلة تفاخر بها نساء يبنا عن بكرة أبيهن ..!
…بعد أن توصلت إلى هذا القرار، تذكرت أن الظروف التي نعيش، غير ملائمة للخوض في شأن كهذا. الأجواء التي توترت أخيرًا في سائر أرجاء البلاد، قمينة بأن تصرف الناس عن كل ما عداها. هل أضرب عرض الحائط بكل ما يقال ويذاع، لكي أتحدث في خطبة فتحية ..!؟ إنهم يتحدثون، وكذلك الصحف والأذاعات جميعًا، عن تطورات لم تكن في الحسبان. فبعد أن تخلت بريطانيا عن مسؤلياتها تجاه القضية، وألقت بها على عاتق تلك الهيئة، التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة، بات واضحًا أن الأمور سوف تأخذ منحى مختلفًا. ولا يدري أحد ماذا تخفي الأيام القادمة، وإن كانوا واثقين من قدرتهم على التصدي لليهود، إذا ما خلِّي بيننا وبينهم، بعد رحيل حماتهم الانكليز عن البلاد. وفضلًا عن تدفق أمواج الهجرة اليهودية، من جديد، بتمويل ودعم من أمريكا وبريطانيا معًا، هناك لجان وافدة على البلاد، تحت أسماء وعناوين مختلفة، منها ما هو (لتقصي الحقائق) ، وما هو (للتوفيق) . هذه اللجان يؤلفونها هم، ويوجهونها هم. غاياتها جميعًا واحدة، ومحدَّدة سلفًا. يتساءلون: أي (حقائق) هذه التي يتقصونها؟ و (التوفيق) بين من ومن؟ هل يجهل هؤلاء ما هي (الحقيقة) وهي حقيقة واحدة، واضحة، ساطعة كنور الشمس في رابعة النهار؟ يتساءلون: