…ليافا نكهتها الخاصة، وسحرها الفريد، تأخذ بمجامع القلب. شوارعها ومبانيها تثير في النفس الشوق. تناغم أمواج بحرها.. أصوات الباعة في أسواقها.. ناسها الذين يعمرون طرقاتها ومقاهيها. صوت مؤذن ينطلق من هناك.. أغاني وموسيقى تصدر عن الحوانيت والمقاهي. في كل مرة أرى فيها سحرًا جديدًا، وفتنة آسرة. يكفي أنها تضمها بين جوانحها.. فتحية تستنشق عبير أجوائها ونسيم بحرها ..!
…سنمضي إلى منزل العم أبو محمد أولًا، ولن يعدم الرجل وزوجته وسيلة للذهاب بنا إلى دار العم أبو ابراهيم. قد أحتاج إلى معونة محمد، ولو أنه سوف يردد على مسمعي تلك الجملة التي أصبحت تلازمه مؤخرًا (ما أنا عارف أنت جاي لمين يا أستاذ ..!)
…لم يكن المبيت ممكنًا في يافا، فأمي لا بد أن تعود إلى بيتها، وليس مألوفًا أيضًا أن تتزاور العائلات في النهار، وأنا لا أستطيع أن أقترح شيئًا.. لكن العمة أم محمد كانت على قدر من الكياسة والمقدرة على التصرف، وحل العقد الشائكة. لقد استطاعت دعوة أم ابراهيم وفتحية إلى دارها لمشاركة ضيوفها الغداء. بل هي أيضًا استطاعت أن تجعل الأمر يبدو طبيعيًا، وكأنه محض مصادفة.
…إبَّان تناول الغداء، الذي أعدَّته أم محمد على عجل، تبادلن أحاديث شتى كالطهي، والغسيل، وتنظيف المنزل، والطريق ما بين يبنا ويافا. أحسست في لحظة صمت أطبقت أن هناك أمورًا يرغبن الحديث فيها، لكنهن يحجمن عن ذلك لوجودنا أنا ومحمد بينهن. تنحينا جانبًا، لننصرف نحن أيضًا إلى حكايانا. قال لي محمد، وهو يغمز بعينه مبتسمًا:
…- يبدو أن المسألة دخلت الجدّ يا ولد ..!
…- من ناحيتي لم أحدث أمي بشيء. وما أظنها توافق على خطبة فتحية لي بسهولة. بنات يبنا، يا سيدي، يعجبنها أكثر .
…- لكن أمي شاطرة.. وأم ابراهيم أشطر ..! ولا تنس تأثير فتحية عليها أيضًا.. بنت حلوة ومؤدبة.. المهم سنعرف كل شيء بعد قليل.. لو كان أبي هنا لاختلف الأمر.. قال محمد.
…أسفت فعلًا لغياب العم أبو محمد، في هذا الوقت بالذات.. لا شك أن لوجوده أبلغ الأثر على والدتي.. حبذا لو كان حاضرًا ذلك العم.. وإلا فما جدوى أن يكون (عماًّ) !؟ ربما نحتاج إذن إلى جولة أخرى.. يا إلهي.. ومتى يكون ذلك..؟