…أصيب الناس بالذهول في كل مكان. لم تصدق عقولهم مايجري. تساءلوا غاضبين مستنكرين: ما شأن هذه الهيئة بنا وببلادنا. ومن أعطاها الحق في تقسيم بلادنا ومنحها لليهود الدخلاء..؟ أم تراها قامت (هذه الهيئة) من أجل تثبيت المظالم، وضياع الحقوق، بل ومحو الشعوب والأوطان بجرة قلم، ضاربة عرض الحائط برأي اصحابها ومصائر أهلها..؟ أم لعل هذه الأمم (اتحدت) علينا من أجل سلب أوطاننا الموروثة عن أجدادنا الأولين منذ آلاف السنين ؟.. أيّ جدوى إذن كانت لتلك الحرب الضروس، التي طحنت العالم.. ولم ينج من ويلاتها أحد..؟ وهل انتظر أهل فلسطين، وغيرهم من العرب، سنوات الحرب، بعد أن هادنوا الانكليز، وأوقفوا ثورتهم بناء على تلك العهود التي قطعها أولئك على أنفسهم لكي يكون هذا جزاؤهم ..؟
…تساؤلات وتساؤلات نسمعها في المقاهي، وعند أبواب الدكاكين، في مضافات المخاتير وتجمعات الوجهاء في دار الجمل وأبو عون والعطار، على المصاطب وفي الطرقات والبيوت. بعضهم أيضًا رأى أن الأمر على قدر من السخف والتفاهة بحيث لايستحق عناء التفكير فيه.. (قال تقسيم قال..!)
…استجاب الناس لدعوة الهيئة العربية العليا للأضراب العام لثلاثة أيام، في أرجاء البلاد كافة، احتجاجًا واستنكارًا. تجمّعوا هنا وهناك يتسقطون الأخبار من الراديو والصحف، وسؤال السيارات العابرة، قادمة من يافا إلى قرى الجنوب ومدنه أو قادمة من غزة في طريقها إلى مدن الشمال وقراه. وسرعان ماتجمعت مظاهرة غصَّت بها الطرقات المفضية إلى ساحة السوق والجميزة. شرعوا يهتفون ضد التقسيم وصانعيه، ويندِّدون بالانكليز واليهود معًا، وأمريكا (رأس الحية) ، بل والعالم الضالع المتواطىء على الظلم والباطل ..