…تتالت بعد ذلك الأنباء السيئة. فهذه مدينة طبريا تسقط بعد دير ياسين. يقتل خلق كثير من أهلها، ويشرد الباقون، فيهيمون على وجوههم في الأودية والبراري، باحثين عن ملاذ يؤويهم يأمنون فيه على أطفالهم وأعراضهم، تفاديًا لأن يصيبهم ما اصاب أهل دير ياسين. ثم تتلوها حيفا عروس شمال فلسطين. تصف الأنباء ماحدث في حيفا. غصَّ البحر بالقوارب المحمَّلة بالراحلين. قصف مدافع (الهاون) و (المورتر) والرشاشات (البرن جن) و (الستن جن) يقصف فوق الرؤوس، تصيب من تصيب وينجو من ينجو. قوارب تغرق في لجة البحر وتنتشر الجثث فوق الأمواج التي باتت حمراء قانية. القوارب الناجية تتجه شمالًا إلى السواحل اللبنانية ..
…يتساءل المتسائلون في كل مكان: (من أين جاء اليهود بكل هذه الأسلحة..؟ بل كيف واتتهم الجرأة دون أن يخشوا عواقب إجرامهم، وهم المعروفون بجبنهم، يخشون المواجهة يرهبون الموت ويحرصون على الحياة ..؟ ألم نقل أن الانكليز كانوا على الدوام وراء المصائب التي تحيق بنا على الدوام.. ؟)
…في الأمسيات تنتشر دوريات للحراسة حول القرية. والناس يسهرون في قلق وتوجّس آناء الليل وأطراف النهار. أمي وجاراتها في دار إحداهن. الرجال يتجمعون من داخل الدور وخارجها يتناقلون مايصل إلى أسماعهم. ويتبادلون الخوف حينًا، والثورة على مايجري حينًا. يسهر لدينا الخالان رمضان وشعبان مع العم أبو صفية. أمي تقدم لنا الشاي تلو الشاي تلو القهوة، فيما هي لا تكف عن التضرع الى الله العلي القدير بأن يحمي البلاد والعباد من غدر الانكليز واليهود الغادرين الأوغاد..!
…هذا الذي يجري لم يكن في الحسبان قط. حتى الذين توقعوا أسوأ مايمكن أن يحدث، لم يبلغ بهم الشطط أن يتصوروا أمورًا تقع كالتي وقعت فعلًا. استغل اليهود نتائج جرائمهم المروِّعة فعمدوا للترويج لها، كي ينشروا مزيدًا من الهلع والذعر في صفوف الشعب الفلسطيني. ومن ثم دفعه إلى الهجرة والنزوح عن البلاد. القتل والتمثيل بالضحايا كانت وسيلتهم لحمل الناس على الرحيل عن ديارهم .
…أخذ أهالي القرى الصغيرة يرحلون بالفعل، ملتجئين إلى القرى الأكبر المجاورة لهم مثل قريتنا، يلتمسون الأمن فيها، حيث القدرة على الدفاع أكبر بتجمع القوى وتكاثر العدد، عتادًا وبشرًا .