فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 1574

…قدمت إلى يبنا جموع من قرى زرنوقة والقبيبة والمغار. قوافل الراحلين أرتالًا أرتالًا على الطرقات، تثير الغبار حتى يكاد يحجب المرئيات. على ظهور الدواب وفوق السيارات المتعَبَة يأتون من كل صوب. تكتسي وجوههم بمعالم الحزن والألم والدهشة معًا. كأنهم في حلم، غير مصدقين ماحلَّ بهم. غصَّت القرية بالناس. ازدحمت طرقاتها بمشاهد الضنك والبؤس والرحيل، والوجوه الحزينة الواجمة. تقاسم أهلها بيوتهم وعيشهم مع الوافدين. حتى أن بعضهم ذكَّر البعض الآخر بقصة المهاجرين والأنصار في صدر الأسلام .

…أمام دكان أبو العبد الرملاوي تجمع جمهور غفير في ظل السدرة العتيقة. راحوا يستمعون الى حكاية قريبه الراحل عن مدينة الرملة مع أسرته إثر احتلالها وشقيقتها اللد منذ فترة وجيزة .

…خيمَّ الصمت على الرؤوس. ألجم الفزع ألسنتهم، ولاح القلق في عيونهم. كادوا ألا يصدقوا مايسمعون. أجل فلربما كان الرجل مبالغًا في روايته. بل لعله يبرر هجرته ومن معه إليهم عوضًا عن بقائهم في ديارهم حتى النهاية. بيد أنه مضى يروي ماشهدته عيناه من الفظائع والويلات التي حاقت بأهالي المدينتين. يصمت بين الفينة والأخرى ليبلع ريقه، ويمسح عرقه أو يتناول جرعة ماء من إبريق الفخار القرميدي الذي يقدمه له أبو العبد الرملاوي. ولكنه سرعان مايأتي على محتوياته:

(.. صدقوني يا إخواني

(.. عندما دخلت الدبابات رافعة فوقها الأعلام العربية، وعلى هامات الجنود خوذات الجيش العربي الأردني، ذات الحربة المعدنية تبدو في أعلاها.. أنتم تعرفونها.. والحطات والعقال على رؤوس جنود آخرين.. وحتى شارات الصدور والأكتاف.. نعم إنه الجيش الأردني ياشباب جاء لنصرتنا.. هرع الناس إلى الساحات العامة، لاسيما وسط المدينة، مهلِّلين مكبِّرين.. مصفقين وهاتفين بحياة الجيش العربي، وسقوط بلفور وبن غوريون.. ووايزمن. وفيما الناس كذلك، في هرجهم ومرجهم وذروة حماسهم وبهجتهم، بغتة عصفت الرشاشات والبنادق، تحصد الجموع المحتشدة حصدًا. تساقط العشرات والمئات في لحظات. ولَّى الآخرون الأدبار في كل اتجاه، يدوسون فوق الجثث والجرحى، بل فوق الأحياء.. كان يومًا مشهودًا أيها الأخوة.. لم يكن أولئك سوى اليهود استطاعوا خداعنا فكان الثمن فادحًا .

…صمت قليلًا، ثم أضاف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت