(لم نلبث أن سمعنا أصوات المكبرات تطلب إلى أهل المدينة مغادرتها من ناحية الشرق تحديدًا، خلال ساعات حدَّدوها، متوعدين ومنذرين من يتوانى أو يتخلف، كائنًا ما كانت الأسباب باسوأ مصير. ولم ينسوا توجيه النصيحة بعدم حمل متاع، قلَّ أو كثُر ..!
…وعلى الرغم من مبادرة الناس للاستجابة لتعليماتهم، وإلى حمل أنفسهم ونسائهم وأطفالهم على الرحيل الفوري، طفق الرصاص يعصف في كل مكان في جنبات المدينة وبين بيوتها. حتى أن من تخلف بسبب مرض أو عجز حصدوه برشاشاتهم، بلا هوادة. يصمت الرجل لالتقاط أنفاسه. يمسح عرقه ..يتجرع مزيدًا من الماء.. والجمع من حوله صامت، الى أن يستأنف روايته المروعة:
(آه يا أخواني.. لا أراكم الله مارأينا.. ولاأصابكم ما أصابنا.. اللهم امحق اليهود وأنصار اليهود يارب العالمين ..
…عند أطراف المدينة. وقف جنودهم هناك، يفتشون الراحلين، رغم أنهم لايحملون معهم شيئًا. ينقضُّون عليهم ضربًا بأعقاب البنادق والهراوات. يحثونهم على الاسراع في الرحيل.. كأن مدينتهم هذه لاتحتمل بقاءهم فيها ساعة أخرى. ينتزعون من الرجل ساعته، ومن المرأة حليها، حتى لو كانت مجرد خاتم خطوبة أو زواج. لايدعون لأحد شيئًا. ورصاصة في الرأس أو الصدر أو حيثما اتفق لأي بادرة تندُّ عن أحدهم احتجاجًا أو تذمرًا. حتى التنهيدة أو النظرة الغاضبة، يا أخواني، كلفت صاحبها حياته ..!
(…انطلق الناس في الفلاة بين سفوح الجبال الوعرة، وجنبات الأودية السحيقة. بعضهم قضى نحبه عطشًا، وبعض إعياء وألمًا وغيظًا. نساء أجهضن، وأخريات قتلهن النزيف. أو جاءهن المخاض فلم يجدن المعونة وقضين نحبهن ومن أنجبن.
(…هل تصدقون أن بين الناس من لجأ الى امتصاص الطين إذا رآه رطبًا، أو قشور البطيخ الملقاة على قارعة الطريق، كيما يبقي على حياته دون الموت عطشًا ...
…انصرف الناس أخيرًا، واحدًا إثر الآخر، عندما أو شك الرجل على السقوط إعياء .
…قصص وحكايا تروى في كل مكان في القرية على ألسنة القادمين والمقيمين. وهم لاينفكون يتساءلون: لماذا لا تدخل هذه الجيوش العربية الآن..؟ وماذا هي تنتظر بربكم ..؟ إلى أن يقضى علينا جميعًا أم ماذا؟ ألا يسمعون في البلاد العربية والاسلامية عما حلّ بأهليهم وأخوتهم، في الديار المقدسة..؟! وما الذي يمكن أن يحل بهم في انتظار حلول موعد دخولهم.. الخامس عشر من آيار ..؟ أهو مقدَّس هذا الموعد فلا يستطيعون استباقه رغم أن الانكليز راحلون..؟