فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 1574

…المخاتير والوجهاء في مضافاتهم وتجمُّعاتهم في ذلك المساء، يعملون على تهدئة الخواطر، وبث الطمأنينة في النفوس المضطربة، مبشرين بدخول الجيوش العربية وشيكًا (لانقاذ البلاد والعباد ..!) . ولكن الشباب من الحضور يتساءلون في غضب عما إذا كان عليهم أن ينتظروا حتى تسقط البلاد، وتنتهك الأعراض، وتداس الكرامات كما حدث في دير ياسين، وحيفا، واللد والرملة قبل أن يحل هذا الموعد الرسمي المتسم بالبرودة وعدم الاكتراث.. (إذا لم يتحركوا الآن فمتى يتحركون إذن.. ؟)

…تواصل القرى الصغيرة رحيلها، بعض يأتي خالي الوفاض ليقينه بالعودة في غضون أيام قليلة، فور دخول الجيوش العربية، وبعض تحمله الدواب من حمير وبغال وجمال وعربات تجرُّها الدواب. بل إن منهم من جاء بقطيع أغنامه. أناس يحضّون على الرحيل عن يبنا أيضًا.. وآخرون يتصدَّوْن لهم، يخوِّنون من يفكر فيه ويدعو له. بل إن هؤلاء يتهمون من يظنون أن ينتصر اليهود، وتقوم لهم دولة في فلسطين، حتى على تلك الرقعة التي خصَّهم بها مشروع التقسيم، هؤلاء يتهمون أولئك بسوء التقدير، وسفه الرأي، إن لم يكن الجنون المطلق..! زاد الطين بلَّة أن قريتهم (يبنا) ذاتها تقع ضمن دولة اليهود المقترحة، حسب الخريطة التي نشرتها الأمم إياها. أي أن (يبناهم) لن تكون لهم عندئذ..!

(.. دورنا هذه.. كرومنا.. بياراتنا.. هذا البرتقال لمن..؟ ثماره.. أزهاره.. بحرنا برماله الذهبية وأمواجه الصاخبة.. هذه الطرقات لن نمشي فيها إذا ماتحقق لهم ذلك.. أيمشي فيها الغرباء القادمون من بولونيا وبريطانيا وبلاد واق الواق..؟ وهذه المصاطب التي شهدت أمسياتنا وليالينا المقمرة تغدو مهجورة قفراء.. لن تمر الصبايا حاملات الجرار عصر كل يوم من أيامنا القادمة.. لمن يقرع جرس المدرسة غدًا..؟ حتى المقبرة والمقام حيث يثوي آباؤنا.. أنتركهم وحدهم هنا.. وأي وحشة سوف يعانون ..؟ هل نخون تراثهم ورفاتهم والتراب الذي يؤويهم ..؟.)

…أمي تتلمس الجدران والحزن يغشى محياها.. تتشمم رائحة الأبواب والفراش والطبلية العتيقة.. تهمس محدثة نفسها.. رفضت بيع الحاكورة للحاجة خضرة طول الزمن، حفاظًا على عهدك يا أبا سعيد.. والآن نرحل عنها.. بل عن الدار ..بل عن البلد.. لا لا.. نموت هنا أحسن يا أولاد.. !.

…نلتفت إليها أنا وإخوتي الواجمين جميعًا، فاذا الدموع تترقرق في مآقيها.. والشحوب الحزين يكسو وجهها.. مع ارتعاشة شفتيها.. ثم تنخرط في بكاء صامت..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت