فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 1574

…كان نصيبي، في تلك الليلة، السهر للحراسة على (الطابية) المقامة على خط السكة الحديدية، في منتصف المسافة بين شمالي يبنا والمحطة، فوق الجسر المقام على أحد الأودية التي تشكل واحدًا من روافد نهر روبين. لم تكن هذه سوى واحدة من عشرات مثلها على طول الخط الحديدي، من أقصى شمال البلاد، إلى جنوبها. كان هذا خط دفاع الانكليز عن الطرق والسكك الحديدية، تحسبًا لغزو الألمان للبلاد إبان الحرب، على غرار خط (ماجيينو) بين فرنسا وألمانيا، وقد أسماه الانكليز خط (إيدن) .

…قررت اللجنة الوطنية أن تشمل الدوريات ونقاط الحراسة الشبان فوق سن السادسة عشرة. كنا ثلاثة: محمد يوسف النجار، وأنا، وعبد القادر موافي الذي يناهز الأربعين، وهو بمثابة القائد لنا. تسلّمت بندقية انكليزية. أفرحني كثيرًا أنها جديدة، ليست كتلك العثمانية الصدئة التي تدربت عليها، في الأيام الأخيرة، مع الرفاق بإشراف كامل دعسان المتطوع سابقًا مع الانكليز .

…في الساعات الأخيرة من الليل. عصفت الرشاشات فجأة، في أكثر من اتجاه. أيقنَّا أن هجومًا يقوم به اليهود الليلة من أجل احتلال يبنا، هذه المرة. ننظر بين الكوى الضيقة في جدران الطابية، في كل اتجاه، نترقب قدومهم من إحدى ضفتي الوادي .يشتد إطلاق النار من البنادق والرشاشات بغزارة لم نعرفها من قبل، إلا في تلك الأيام التي كان الانكليز يطوقون فيها القرية أيام الثورة. وحين لمحنا أشباحًا في الظلمة، أو هكذا تراءى لنا، شرعنا نحن في اطلاق نيران بنادقنا في اتجاهها. ثم لم تلبث أن خفَّت حدَّة إطلاق الرصاص، إلى أن خفتت أخيرًا ثم تلاشت، وأطبق صمت يسوده الترقب والخوف. نفتح عيوننا على سعتها.. نحدق في الظلام، ولكننا لا نرى شيئًا فقد اختفت الأشباح .

…في الصباح الباكر، خرج الناس متلهفين، يستطلعون ماجرى في الليلة الفائتة. لم يطل بهم الوقت قبل أن يعرفوا أن ثلاثة قد استشهدوا من بين الرجال الذين تصدَّوا للقوة التي حاولت التسلل إلى القرية من ناحية الجنوب. صديقنا (أحمد المصري) كان واحدًا منهم. كان الآخران (يوسف أبو لبده) و (عوني الجمّال) . كما أصيب آخرون بجراح، من بينهم الخال رمضان .ربّاه.. أحمد المصري بالذات..؟ أحمد المصري أيضًا..؟

…لم يخفف من وقع النبأ المفجع مقتل سبعة من اليهود، رأوهم رأي العين وهم يسحبون جثثهم بالحبال، عدا جثة واحد منهم جيء بها إلى القرية. تجمهر الناس ينظرون إليها حيث وضعت في الساحة قرب الجميزة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت