فهرس الكتاب

الصفحة 637 من 1574

…أحمد المصري ..؟ ياصديقنا الحبيب.. هل كنت تحسب أنك سوف تموت هنا في هذه الديار، في ريعان شبابك، بعيدًا عن أهلك وذويك ..؟ نحن أهلك وذووك أيضًا يا أحمد، ولسوف تحتضنك أرضنا التي استشهدت دفاعًا عنها.. وسقيتها بدمك الطاهر .يحنو عليك تواها، كما على أبي وشهدائها الأخرين.

…حزن الناس من أجل أحمد، مكبرين شجاعته وتضحيته. كحزنهم على الشهيدين الآخرين. ووري ثلاثتهم التراب عند العصر في صمت حزين مهيب. وقد شارك أهل القرية جميعًا في تشييعهم .

…المكتبة مقفلة.. بدت حزينة هي الأخرى.. التقينا جميعًا أمامها، رفاقه ورواد المكتبة. تراءى لنا أحمد يقف عند بابها، يرنو إلينا وعلى شفتيه تلك الابتسامه الوديعة التي نعرف. هذا قدرك يا أحمد.. من معسكر عاقر.. إلى حيرتك بين العودة لمصر والبقاء في يبنا. واخترتها دون غيرها من بلاد الله ليكون بها مثواك .

…الجمع مغرق في الصمت.. الوجوه متجهمة وحزينة.. العيون دامعة.. يتبدى فيها القلق وتغشاها الحيرة.. الغضب.. والألم.. الحنق والثورة .

…نمضي بصحبة أمي إلى منزل جدي حسين، لكي نعود خالي رمضان. كانت هناك خالتي نعمة وزوجها الهندي وبناتها وفوزي. استقبلنا الأخوال جميعًا والجدة رقية والخالة بديعة. رغم تأثرهم لما أصابهم بدا عليهم الارتياح لنجاته.. الخال رمضان على فراشه، وقد علا وجهه الشحوب. حدثنا عن المعركة التي خاضها بالأمس عند المشارف الجنوبية للقرية. حيث جاءوا من قرية (بشّيت) التي احتلوها منذ أيام .وعلى الرغم من جراحه يتحدث في حماسة واستبشار:

(أوقعنا بهم العديد من القتلى.. ودمرنا لهم ثلاث مصفحات، وغنمنا واحدة أحضرها الشباب إلى البلدة. جبناء هؤلاء اليهود ...

…(والله لو كان معنا مثل سلاحهم لما أبقينا على أحد منهم .

(…ولو أنهم لايحتمون بالمصفحات التي وهبهم إياها الانكليز لما استطاعوا مواجهتنا في أي مكان. ولو أنهم يقاتلوننا مواجهة، حتى بسلاحنا البسيط لكان لنا معهم شأن آخر لكنهم لايقاتلون إلا من وراء جدر.. مباني أو مصفحات..!. رفيقك أحمد المصري.. رحمة الله عليه. كان إلى جانبي.. يطلق الرصاص.. يقفز من وراء هذه الشجرة.. إلى تلك التي تليها، من هذا المكان في الخندق.. إلى مكان آخر.. غير آبه بعصف(الهشكوس) . وعندما رآهم يفرُّون.. آه يا ابن اختي. تهوَّر أحمد عندئذ، اقُول لك الحق.. قفز إلى خارج الخندق، يعدو مكشوفًا في اثرهم، غير آبه لصيحات تحذيرنا له ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت