.. يا أحمد.. يا أحمد.. عد يا أحمد ..
…لكنه يصيح وهو يواصل اطلاق الرصاص .
.. الله أكبر.. الله أكبر.. وراكم يا أولاد الميتة.. يامفترين..! وبغتة.. رأيناه يتدحرج أرضًا على السفح.. آه يا أحمد.. أيضًا ابن ابو لبده وابن الجمّال.. سقطا أيضًا وهما يلاحقان اليهود عند فرارهم ..
…قال جدي في تأثر:
.. هنيئًا لهم يابني.. هم شهداء أحياء عند ربهم يرزقون يحشرون مع الصديقين يوم القيامة .
…ثم يرفع يديه ضارعًا إلى السماء:
.. اللهم اكتب لنا الشهادة مثلهم ..
…واست أمي والدها في مصاب أخيها. داعية له بالشفاء كذلك فعل سعيد. بل محمود وعلياء أيضًا بكلمات خجولة. احتصن جدي علياء، قبلها في وجنتيها وهو يقول:
-صرت عروسة يا علياء.. ماشاء الله ماشاء الله، وأنت يا أحمد في أي صف أنت اليوم ياجدي..؟
…ثم وهو ينظر اليّ والى سعيد:
-ديروا بالكم على أمكم يا أولاد.. الأيام القادمة صعبة، والله يستر ..
…وحين أخبرته مباهيًا، بأننا أنا وسعيد شاركنا في معركة الليلة الماضية ..سرَّه ذلك، ودعا لنا بالتوفيق والسلامة. ثم مضى يحدثنا عن أيامه في الجندية، مع الأتراك في (السفر برلك) ، فيما هولا يفتأ ينقِّل عصاه من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر تباعًا لساقه الممدودة على الدوام، والتي بقيت شاهدًا على ما أصابه في تلك الحرب. ثم ترحمّ على تلك الأيام على الرغم من قسوتها، فهي على كل حال خير مما وصلنا اليه على أيدي الانكليز واليهود، وعصبة الأمم التي جاءتنا بالانكيز واليهود وهيئة الأمم التي مكنَّت لهم في أرضنا. تفرَّست في وجه جدي. لقد كبر كثيرًا. لم تبق شعرة واحدة سوداء، على رأسه. غضون كالأخاديد حفرتها على وجهه آلة الزمن و تعاقب الليل والنهار. لكنه لم يغير من عاداته شيئًا. يلف سيجارته (العربي) يبللها بلسانه قبل أن يدق أحد طرفيها على علبته القديمة ذات النقاط المرقطة الصدئة. مازالت رفيقته على مدى الأعوام الماضية .