…جدتنا الحاجة رقية قدمت غداءً من (البيصارة) والزيتون وخبز الطابون ثم أتبعت ذلك بأكواب من الشاي، وهي لاتكف عن ترديد عبارات الترحيب، والدعاء لنا بالنجاح والفلاح.. موصية إيانا بأمنا (المسكينة) المكافحة.. التي أفنت عمرها من أجلنا، بعد وفاة أبينا إلى أن أصبحنا الآن على مانحن عليه، ماشاء الله. كما أنها لم تنس أن تخصَّ عليا بالكثير من التدليل والملاطفة إذ هي الآن (عروس.. والشبان سوف يقفون بالدور لطلب يدها ...!) . ثم أهدتها قلادة من الخرز .
…تضرجت وجنتا عليا بحمرة خفيفة محببة، فطأطأت رأسها وهي تعبث بطرف ثوبها. تبادلت أمي والجدة رقية نظرات مشفوعة بالابتسام .
…قبيل انصرافنا سألني الخال رمضان عن أنسبائنا في يافا:
-هل من أخبار عنهم يا خال.. ؟
-والله ياخال لانعلم عنهم شيئًا .
-ربما رحلوا هنا أو هناك عن يافا قبل سقوطها .
…أحسست بقلبي يتمزق من أجلهم. ترى أين هم الآن؟ وماذا حلَّ بهم؟ هل غادروا المدينة.. ؟والى أين إن كانوا قد فعلوا؟ وفتحية ماذا اصابها، وكيف واجهت مع ذويها هذه الأيام العصيبة، والأهوال التي تعرّضوا لها ..؟
…كم كان مفاجئًا لنا عند عودتنا إلى دارنا أن نجدهم هناك قد وصلوا لتوهم. فتحية وأسرتها.. العم ابو محمد وأسرته.. أم عطاف وزوجها وابنتاها .
…الدنيا لاتسعني فرحًا. ها هي ذي أمامي أخيرًا. حمدًا لك يا رب. سعادة غامرة ألمت بنا جميعًا، وإن شابها الأسى لما بدا عليهم من آثار ما مرَّ بهم من معاناة. وجوههم شاحبة، أعينهم يطل منها الألم والأسى والأعياء بدا الرجال مهزومين تمامًا، والنساء منكسرات.. وفتحية.. أهذه فتحية ..؟ نضارة الوجه وإشراقة المحيا.. والبسمة الآسرة في عينيك.. كأنك لم تعرفي الابتسام في يوم من الأيام.. لولا هؤلاء لضممتك إلى صدري يا حبيبتي الغالية.. عيناي لاتذرفان دموعًا لكنه قلبي يتنزى دمًا ..