…قصُّوا علينا حكاية رحيلهم عن يافا: لبثوا فيها أيامًا بعد سقوطها إلى أن استتب الأمر للغزاة. واطمأنوا لسيطرتهم على المدينة. تمكنوا عندئذ من التسلل في جنح الظلام، متخذين طريقًا على الشاطىء بين البيارات والكروم، متحاشين المستعمرات اليهودية ريشون ورخبوت والقرى العربية التي احتلت مؤخرًّا. رحلوا عن يافا مخلّفين وراءهم كل ماملكوا في حياتهم. ديارهم ومرابع طفولتهم.. حتى ثيابهم ومقتنياتهم العزيزة على قلوبهم، اثاثًا، رسومًا، ولوحات، مرايا شاهدوا فيها وجوههم على مدى عمر طويل من حياتهم الخالية .لم تكن لهم أمنية عندئذ أكثر من النجاة بأرواحهم وشرفهم. تحدثوا عن معاناتهم في رحلتهم البائسة، والأخطار التي تعرضوا لها .كان ممكنًا ألا يصلوا الينا ابدًا. ولقد حدث هذا لكثيرين غيرهم على الطرق فيما كانوا يسعون للنجاة بأنفسهم. تحدثوا عن معارك قوات المدافعين عن يافا مع الهاجاناه، والتي كان أهمها قوات جيش الانقاذ بقيادة المقدم (ميشيل العيسى) . إنهم يعرفون التفاصيل أيضًا حول ماجرى في الأيام الأخيرة هناك. سبق للمقدم العيسى أن أوقع الهزيمة قبل ذلك بقوات يهود الهاجاناه، التي حاولت الاستيلاء على قريتي (بدّو وبيت سوريك) ، للسيطرة على طريق القدس - تل أبيب، فانسحبوا مخلِّفين وراءهم ماينوف على مائة وعشرين قتيلًا، فضلًا عن مصفحات انكليزية، وأسلحة وذخائر. لكن اليهود بعد أن عزّزوا قواتهم بدعم من الانكليز، تمكنوا من الحصول على موطىء قدم في الأحياء الشمالية من المدينة، في المنشية حيث منزلهم. أما مستعمرة رامات غان جنوب المدينة، وبتاح ها تكفاه شرقيها، فقد أسهمتا في تطويق المدينة. سلّمهم الانكليز معسكر تلتفنسكي عند إخلائه، وبهذا إضافة إلى تل أبيب في الشمال تم إحكام الطوق على يافا، فاستطاعوا، من ثم، قطع الطرق جميعًا على النجدات القادمة إليها .ولم يستطع الشيخ حسن سلامة وقواته الوصول بقواته إليها أيضًا. لاسيما وأن سلاحه لايكافىء سلاحهم.