فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 1574

…أما حديثهم عن المدينة وأهلها، فقد كان أليمًا ومفزعًا. القتلى في الشوارع والبيوت لايجدون من يقوم بدفنهم. الجرحى لايتسنى إسعافهم فيقضون نحبهم نزفًا وجوعًا وعطشًا، تحت وابل من النيران وبين الأنقاض. أقسمت أم ابراهيم أنها شاهدت رجلًا تشطره قذيفة سقطت في شارع الدرهلي إلى نصفين ..! أما ساحة الساعة ومنطقة السراي التي سبق لهم أن نسفوها قبل ذلك بزمن وجيز، فقد غصَّت بجثث القتلى، كما اشتعلت فيها الحرائق وعمّها الدّمار .

…يتحدث الناجون، بعد رحيلهم عن مدنهم وقراهم، عن جرائم اليهود وماتبدى من حقدهم على العرب، ووحشيتهم التي لانظير لها. لقد فاقت جرائمهم مايزعمون بأن النازية قامت به نحوهم عشية الحرب العالمية. إنهم لايقتلون الناس وحسب، بل هم يتفنون في القتل والتعذيب والتمثيل، لكأنهم يستمتعون بذلك. ينتزعون الرجال والفتية انتزاعًا من بيوتهم وذويهم، من بين أمهاتهم وأخواتهم، زوجاتهم وأطفالهم.. وعلى مشهد منهم، بين صراخهم وعويلهم، وهلعهم الذي ألزمهم الصمت فخنق الصرخة في حلوقهم، يوقفونهم أمام أي جدار، ثم يحصدونهم بالرشاشات، حتى دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الطلب إليهم أن يديروا ظهورهم، حتى لايشهدوا موتهم بأعينهم. يسقط العشرات.. بل المئات ..وتتكون بحيرة من الدماء تتخبط فيها الأجساد المحتضرة، ثم تحملهم الشاحنات أكداسًا بعضها فوق بعض. حتى الجرحى الذين لم يقض الرصاص عليهم للتو، لايستثنون، فيما أنينهم وصرخات آلامهم تذيب الحجارة لا القلوب. وفي مقبرة جماعية، حفرت بأيدي رعيل آخر منهم، قبل أن تحصدهم الرشاشات حصدًا بعد قيامهم بتلك الهمة، يلقى بهم في جوفها. يهال التراب على الأحياء والأموات معًا، فيختفي الأنين وتكتم الأصوات إلى الأبد. ثم يمضي الجناة كأن شيئًا لم يكن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت