…وفي حالات أخرى، ينتقون الأفراد من بين التجمعات المحاصرة في ساحة القرية، أو فناء مدرسة أو جامع، بالقرعة أو بالرقم. يعدون أربعة يستبعدونهم - ربما إلى حين - والخامس.. سوء حظه أنه كان الخامس يفرز على حدّة، إلى أن يتجمع العدد (المناسب) ..!، عشرة في أغلب الأحيان. ثم، وعلى مرأى من أمهات وآباء وأبناء وأقارب وجيران لهؤلاء تعصف بهم الرشاشات عصفًا، ليأتي بعد ذلك دور مجموعة أخرى. بل هم لايتورعون عن نسف بيوت على ساكينها. لايشفع لهم أن بينهم نساء وأطفال ورضَّع. واذا حاول هؤلاء إخلاء منازلهم بالخروج منها أرغموهم على البقاء فيها ليقضوا نحبهم تحت أنقاضها، أو بقروا بطونهم بالحراب فيما هم يحاولون النجاة. يبدو أنهم استمرأوا فعلتهم في دير ياسين. فكم من الناس أحرقوا أحياء. وهم ينظرون إليهم، يستعذبون مرأى النيران وهي تلتهم أجسادهم. وكم دفنوا من الشبان أحياء أيضًا بعد أن أجبروهم على حفر قبورهم بأيديهم. بل قيل إن عجوزًا في قرية (وادي حنين) سقطت أرضًا في غمرة ما اصابها من هلع. صاحت مستغيثة، خائفة غاضبة (الله يقطع اليهود ويوم اليهود) . سمعها أحدهم الذي يبدو أنه فهم ماقالت. اقترب منها فحسبته يسعفها. مدَّت إليه يدها ليعينها على النهوض لكن هذا ركلها بقدمه، فانطرحت أرضًا.بهدوء وأعصاب باردة تمامًا، وضع حذاءه الضخم على عنقها ظل يضغط ويضغط حتى أسلمت الروح وهمدت حركتها نظر الى الجثة. ركلها ثانية. أدار ظهره ومضى .
…أختلس النظر اليها، ثم إليهم واحدًا واحدًا، فلا أرى إلا معالم الحزن والألم والأعياء، ولكني أكاد لا أصدق هذا الذي أرى. ابن العم محمد، أين مرحه وضحكته المجلجلة التي أعرفها. هوذا منكَّس الرأس في استكانة مريعة.. العم أبو محمد، الرجل الذي كان حضوره يضفي على المكان حيوية وهيبة، يبدو الآن كسيرًا منهزمًا.. ابو ابراهيم.. أم محمد.. أم ابراهيم.. أم عطاف.. يطبق الصمت.. ويغشى الحزن الوجوه. وعيون قرّحها البكاء الطويل. السهر والأرق يتواصلان بلا انقطاع إزاء رعب قصف لايهادن، وأهوال انفجارات لاتتوقف. ثم التخفي أيامًا بطول الدهر كله، مع شحٍّ في الطعام، يتقاسمونه بينهم في حرص وتقتير حتى لاح لهم شبح الجوع وشيك الحلول.