فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 1574

…عندما وصلوا إلى يبنا لم يصدقوا أنهم نجوا من الموت حقًا. لكأن النجاة التي كتبت لهم أخيرًا كانت معجزة من السماء أنعم الله بها عليهم. لكنهم وإذ استقر بهم المقام أحسوا بالحنين المضني إلى يافا وتمنَّوا العودة اليها، حتى لو تعرضوا للموت الذي سعوا للفرار منه .

…عجزت أمي، بدورها، عن مواساتهم حين حاولت ذلك، ورغم كل مابذلت من جهد للتخفيف عنهم لاسيما السيدات من بينهم. وإذ لم تجد الكلمات لزمت الصمت ..

…وإذ كانت دارنا لاتتسع لكل من قدموا الينا، وفي نفس الوقت لامناص من تدبر الأمر على نحو أو آخر، كان الحرج باديًا على والدتي قبل أن تهتدي إلى فكرة خطرت لها. وسرعان ما أفضت بها لمن حولها. هبَّ الرجال جميعًا، لكي يتجهوا إلى الحاكورة، ثم ينهمكون جميعًا في تنظيفها من الحجارة والأعشاب الجافة أولًا، ثم لينشؤوا عريشًا من الخشب وجذوع الأشجار، ومن فوقه ألواح (الزينكو) . ولم تتوان النساء أيضًا عن الاسهام في ورشة العمل هذه على مدى اليومين التاليين. كما أنهن شاركن جميعًا في إعداد ماتيسر من الطعام.. قمن بنقع الحمص والفول لصنع أقراص الفلافل. .البرغل.. الأرز.. البيصارة من الملوخية الجافة.. الرمَّانية مع العدس.. البيض المسلوق.. والبطاطا المشوية.. أما الشاي والقهوة فلم تنقطع طول الوقت. أنا وابن العم محمد وسعيد وأحمد أسهمنا بقسط وافر من العمل، كذلك بالذهاب، أحدنا أو الآخر، إلى دكاكين أبو العبد الرملاوي أو عثمان أبو حسنين، لشراء المسامير والأسلاك وأدوات النجارة والحدادة. حتى علياء كانت تغدو وتروح بابريق الفخار مملوء ًا بالماء أو فارغًا منه، فرحة مبتهجة كأنها تشهد عرسًا. أحاول معظم الوقت الاقتراب من فتحية.. وحين أفلح في اختلاس نظرة أو قول كلمة لها يخفف ذلك الكثير ممابي، بل ويدخل المسرة إلى نفسي القلقة. حتى الجيران لم يتأخروا عن الدخول إلى دارنا، كالحاجة ووالدتها وأم مريم، وعدلة الشامية تطل من أعلى جدار منزلها الملاصق للحاكورة، مرددات دعواتهن بأن يصلح الله الأحوال، وأن تمر هذه المحن على خير ..!

…تنفست والدتي الصعداء عندما أنجز العمل واستقر بالضيوف المقام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت