فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 1574

…أما كيف تدبرت والدتي أمر إطعام الوافدين الأعزاء فكان ذلك من مهاراتها الخاصة بها التي كانت تدهشنا على الدوام. منها الاستدانة ولأول مرة من دكان جارنا الرملاوي.. ومنها ما كانت تحتفظ به مؤونة الشتاء. ولكن الجيران لم يقصروا أيضًا في تقديم العون، طعامًا حينًا، شايًا حينًا وفرشًا وألحفة ووسائد حينًا .

…كأن الناس لاتكفيهم هذه الهموم والأخطار المحدقة بهم من كل جانب. النار تطلق ذات ليلة على (محمد اليوسف) مجددًا، فيقتل أحد الذين معه وينجو هو. يتهامسون (أهذا وقته ياناس.. ؟) كان محمد اليوسف في الأيام الأخيرة أكثر المتحمسين، بل المروّجين للرحيل عن البلدة، ثم العودة عند دخول القوات المصرية إليها. من ثم ذهب بعضهم إلى تفسير الحادث على أنه ردع لمن تسوّل له نفسه الرحيل، وتأديب لمن يحضّون عليه .

…في مقهى (ابو داوود) تشاجر كامل دعسان مع رفيقه عامر البهنساوي. الأول يريد الاستماع إلى أغنية عبد الوهاب الجديدة (انشودة الفن) ، فيما يريد الآخر متابعة الأغنية التي كانت تذاع في تلك اللحظة (الكرنك) . هذا يزيح المؤشر يمينًا وهذا يعيده يسارًا. غضب أحدهما.. ثار الآخر.. دفعه في صدره.. استل البهنساوي من حزامه خنجرًا أغمده في صدر كامل. أصابت الطعنة مقتلًا فخر هذا صريعًا على الفور. وإذ لم تكن هناك سلطة فقد فرّ الجاني. قفز من فوق سياج البيارة المواجهة للمقهى. ثم اختفى لايعلم عنه بعد ذلك أحد شيئًا .

…ضجَّ الناس لما يجري في بلدتهم. بل أخذ الغضب منهم مأخذه، فلقد أصبحوا الآن موزعي النفوس والعقول بين مايقع عندهم، من يوم لآخر، وبين الأخطار المحدقة بهم من كل جانب. حتى اللجنة الوطنية لم تصنع شيئًا ازاء هذه الحوادث، متذرعة بأنها تكرس وقتها وجهدها كله في الإعداد لمواجهة العدو المرتقبة. محمد اليوسف نفسه التزم الصمت. كما التزم داره، فالانكليز ليسوا هنا الآن. خسرت القرية كامل دعسان، مدرب شبانها النشط في وقت هي في أمسِّ الحاجة اليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت