…فاجعة أخرى حلّت بالقرية، وعلى وجه التحديد بآل الجمل. لقد قتل (بشير) ابن يوسف الجمل على الشاطىء، وجىء بجثمانه عند الغروب. ذلك أن آل الجمل هؤلاء ارتأوا الرحيل خفية عن أعين الناس، على أن يتم ذلك على مراحل تشمل كلاًّ منها عددًا من أفراد العائلة. كان بشير ضمن المجموعة الأولى التي اتجهت الى البحر. استقلَّت قاربًا كي ينقلها إلى (اسدود) أولًا، ثم منها إلى (المجدل) ، حيث يلتقون جميعًا، ويلتئم شمل العائلة في نهاية المطاف. لكن الذي حدث هو أن زورقًا يهوديًا جوَّالًا في المنطقة أحدق بهم قبل أن يوغلوا بعيدًا. أطلق عليهم نيرانه، فانكفأوا على أعقابهم لكي يعودوا أدراجهم. لكن (بشير) أصيب فنزفت جراحه على طريق العودة، وفارق الحياة قبل بلوغهم القرية.
…بقدر ما حزن الناس من أجل الفتى بشير، وبقدر ما آلمهم مصاب ذويه. كان أسفهم على تصرف آل الجمل المثير للاستهجان والازدراء .
…خطبة الجمعة هذا الاسبوع كانت حافلة. فقد أمّ الجامع في أعالي القرية خلق كثير من أهل يبنا واللاجئون اليها. غصّ بهم الجامع، وحين لم يتسّع لهم فناؤه الواسع، اتخذوا من الطريق المترب خارجه مصلّى. لكن حظيِّ كان جيدًا إذ كنت داخل المسجد، ومعي فوزي الذي التزم أداء الصلاة منذ أسابيع. فقد كان الجو ماطرًا، والسماء ملبدة بالغيوم، وريح باردة تهب من الشمال .
…اعتلى المنبر العتيق الشيخ (محمد أبو العينين) . حمد الله وأثني على رسوله الكريم. ثم شرع يتحدث عن الأوضاع القائمة في البلاد، وعما ينتظر وقوعه في الأيام المقبلة. تحدث أيضًا عما يجري في يبنا ذاتها وكانت لهجته تشي بالاستياء. كان منفعلًا، بل غاضبًا، وهو يدعو المصلين بنبرة حادة عالية إلى التآلف والاتحاد والتكاتف في مواجهة الأعداء، وإلا فكيف يواجهونهم متفرقين متخاصمين، يضمر العداء بعضهم لبعض. ذكرَّهم بالأندلس وملوك الطوائف وأبي عبدالله الصغير، وماآلت إليه تلك البلاد نتيجة لتخاصم كبرائها وإلا لبقيت الأندلس عربية صميمة حتى يوم الناس هذا. مصوِّرًا لهم كيف يكون حال عالمنا الراهن لو أن هذا كان هو الواقع اليوم أي لو بقيت الاندلس عربية. ثم أخذ يحثهم على البقاء فوق أرضهم في ديارهم الموروثه، مهما كانت الظروف، متسائلًا: