فهرس الكتاب
رفع الحاكم العسكري الإنكليزي راية الاستسلام عندما أحكم الثوار حصارهم عليه وعلى حاميته، وألقى السلاح هو وجنده عندما رأى بالمنظار أن سكان المدينة والريف قَدْ زحفوا إليه بالعصى والمعاول .. أدّى التحية العسكرية لرمضان باشا، وتسلّم الثائرون أسلحة الحامية وذخائرها.
صاح رمضان باشا بأتباعه:
ـ اجمعوهم في مكان واحد، وامنعوا عنهم الأذى، لأنهم أسرى حرب، وعلينا أن نحسن معاملتهم. قال أبو ياسين، والفرحة قَدْ غمرته:
ـ لماذا لا نرحّلهم إلى العراق، أو نسلّمهم إلى الملك فيصل لينظر بأمرهم؟
ـ لا يا أبا ياسين. إن طائرات الإنكليز تحوّم الآن فوقنا، إنَّها تودّ قصف المدينة بالقنابل .. اجعلوهم في العراء مكشوفبن دروعًا بشرية، واختبئوا جميعًا في الملاجئ ريثما تنقشع الغمّة.
قال أبو أحمد:
ـ لكنهّم لن يتركونا بخير.
ـ يا أبا أحمد، سيتركوننا بخير طالما أن الحامية الإنكليزية في قبضتنا. إن مناشيرهم الملقاة علينا تحذّرنا من قتلهم.
ـ إذن ما العمل الآن ؟!
طلب رمضان باشا من أحمد الصبّاغ أن يكتب جوابًا للإنكليز:
ـ اكتب يا أحمد:
(من رمضان باشا حاكم الرقة ودير الزور إلى قائد القوات الإنكليزية في العراق: السلام على من اتّبع الهدى، وبعد: لو أردنا إبادة الحامية الإنكليزية
لفعلنا منذ دخولنا، لكننا نأبى الظلم، كما نأبى الاحتلال. إن لم ترحل طائراتكم عن سماء دير الزور ويرحل معها كلّّ جنودكم بأسرع ما يمكن، فلن تجدوا خيرًا. نحن نذرنا أنفسنا للشهادة في سبيل الله، وفي سبيل تحرير الوطن الغالي، وقد أعذر من أنذر).
كان الشعب هائجًا، تارة يمزّق العلم الإنكليزي ويحرقه، وتارة أخرى يهاجم بيوت الضباط الإنكليز, ولولا أن هبّ عدد من رجالات المدينة لحماية الأطفال والنساء الإنكليز لمزّقهم الشعب أشلاء، ورماهم للكلاب. جاء الردّ بعد عدّة أيام:
(إلى رمضان باشا. سنرحل عن دير الزور فورًا ونحن بانتظار تسليمنا الحامية كاملة في مدينة البوكمال )
قائد القوات الإنكليزية في العراق. قرأ رمضان باشا الرد بعصبية، وطلب من أحمد الصباغ أن يكتب لهم:
( البوكمال بلدة سورية، فليكن التسليم على الحدود مع العراق في بلدة /القائم/)
وفي الخامس والعشرين من كانون الأول 1919 أُطلق سراح الإنكليز، وانقشعت غمامة سوداء كادت تعصف بالمدينة والريف، وتجعل الدماء تجري سيولًا.
رحل الإنكليز بلا رجعة بعد أن مكثوا في اللواء أحد عشر شهرًا لم يجنوا منها سوى الخيبات.