فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 1574

كان علي بك والمناضلون في الخلايا الثورية يعقدون الاجتماع تلو الاجتماع للبحث في آخر المستجدات، وفي آخر اجتماع في منتصف كانون الثاني عام /1920/ وقف علي بك محدّثًا المناضلين في مضافته:

ـ يا إخوتي، قررت الحكومة الفيصلية إرسال السيد مولود متصرّفًا لدير الزور.

قال أبو ياسين محتدًّا:

ـ ورمضان باشا؟!

ـ سيرحل إلى الأردن.

ـ لماذا؟.

ـ إنها أوامر عليا لابد من تنفيذها. صاح أحمد الصباغ غاضبًا:

ـ إنَّها مؤامرة حاكها ً الملك فيصل مع الفرنسيين تمهيدًا لدخولهم إلى دير الزور. عليه ألا يرحل، وسنقف معه بكل ما نملك من قوة.. قال المختار مؤيّدًا صهره أحمد الصبًاغ:

ـ يا علي بك، ما يقوله أحمد صحيح وعلينا أن نعي أبعاد هذه المؤامرة، ويجب أن نعي أيضًا أننا لسنا أحجار شطرنج.

قال علي بك متأثّرًا:

ـ يا إخوتي .. أعرف ما لا تعرفونه .. أعرف أن السيد مولود هو عدو تقليدي لرمضان باشا، وأنهما لن يجتمعا معًا، لذا لابد له من الرحيل، وعلينا أن نودع رمضان باشا وداعًا حارًا، وألاّ نعقّد الأمور، وسنرتّب أمورنا بعد ذلك جيّدًا.

صمت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، لأنهم يعرفون أن أبا راغب يعرف خفايا الأمور، وعليهم أن يطيعوه, ويمتثلوا لأمره قبل فوات الأوان، لذا اكتفوا بالنظرات التي ألقوها في وجهه, والذي بحكم فطنته وذكائه قَدْ أدرك سرّها, فابتسم في وجوههم قائلًا:

ـ والآن أخبروني عن أحوال ذوي الشهداء.

قال المختار:

ـ لقد شكلّنا لجنة مؤلفة مني ومن أحمد وأبي ياسين، وذهبنا، إلى بيوتهم كما أمرت، وأعطيناهم المساعدات المقررة فرفضوها رغم فقرهم, لكننا أرغمناهم على قبولها.

ـ ماذا كان يعمل الشهيد الأول؟

ـ كان عاملًا في إصلاح الطرق / النافعة/.

ـ أبلغوا أهله لإرسال أحد أفراد أسرته ليحل محلّه.

وماذا كان يعمل الشهيد الثاني؟

ـ كان يعمل على عربة يبيع فيها الخضار والفواكه.

ـ خصصوا لأسرته راتبًا شهريًا يكفيهم ذل السؤال. والشهيد الثالث؟

ـ كان موظفًا في دائرة البريد.

ـ عيّنوا ابنه مكانه، وأعطوا أسرته الراتب الذي كان يتقاضاه قبل استشهاده. أما الجرحى فأرجو أن تسهروا على راحتهم وتلبية مطالب أُسَرِهم ..

ـ نحن فعلنا ذلك، ولن نقصّر إن شاء الله.

ـ هو الواجب يا إخوتي، والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، وعلينا أن نستعد لها بكل عزيمة وإصرار.

نهر الفرات لم يهدأ, تتماوج تياراته بصخب، فتلقي في الأذان موسيقا جنائزية، وعلى الوجوه ظلالًا من الشك...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت