فهرس الكتاب
كان الرجال يسيرون بتؤدة، وألف سؤال يدور في رؤوسهم المثقلّة بالهموم والأحزان, ولعل أبرز سؤال يطرحونه في مجالسهم:إلى أين سنمضي؟ وإلى متى؟ ودّع الرجال قائدهم الكبير, ومحرر لواء دير الزور من الإنكليز بهتافات ناشجة، وكان يرّد عليهم بعبارات ملؤها الثقة بالنصر، ويطلب منهم مواصلة التضحية والفداء , والتنبّه لكل ما يُحاك ضدّهم.
سرت شائعات خلقت جوًّا من الفوضى والبلبلة في صفوف الشعب, ولم يسلم منها المناضلون مفادها أن الإنكليز يتأهّبون للعودة إلى دير الزور، وقد أكّدت طلائع الاستطلاع في البوكمال صحة هذه الشائعات، فتهيّأ الثوار لعملية التصّدي والردع.
قال علي بك:
ـ أطلبُ من أبي أحمد وولده أحمد أن يقودا سرية من المناضلين لدعم الخلية الثورية في البوكمال وقوات المقاومة الشعبية، وسنوافيهما بالدعم اللازم كلما احتاجوا إليه، على أن يوافونا بالأخبار يومًا بيوم.
قال أبو أحمد, وقد وقف رافعًا يده:
ـ منذ الغد إن شاء الله .
ـ لا يا أبا احمد. منذ الآن.
ـ كما تريد.
لم تكن مهمة أبي أحمد وولده سهلة على الإطلاق, كان عليه أن ينتقل بين القرى لتحريض أهلها ضد الإنكليز، كما كان على ولده مهمة توزيع المهام والأماكن وتوجيه الثائرين إلى أهداف مرسومة.
وعندما دخل جيش الإنكليز البوكمال جوبه بمقاومة لم يكن يتوقّعها أبدًا. كانت معركة طاحنة, قُتل من الإنكليز أكثر من ستين ما بين جنديّ وضابط, واستشهد من الثوار ثلاثة: أبو أحمد الصباغ واثنان من البوكمال. تراجع أحمد وسريته إلى الميادين فأطبق ومن معه من ثوار الميادين على فلول الإنكليز, وطاردوهم حتى قرية المصلّخة حيث كانت مقبرتهم هناك, وقسم كبير من جثثهم ألقي في نهر الفرات، فانتهت بذلك أحلام الإنكليز بالعودة إلى دير الزور, وتحدّث الناس طويلًا عن بطولات خارقة فردية وجماعية.
قال علي بك وقد أمسك بيد أحمد الصباغ:
إني فخور بك يا أحمد, ورحمة الله على أبيك, واعلم يا ولدي إن أردت فسأنقل لك جثمان أبيك من البوكمال إلى دير الزور.
قال أحمد:
ـ والدي ـ رحمه الله ـ بذل روحه رخيصة, واستطاع أن يقتل أكثر من خمسة عشر إنكليزيًا, ولولا نفاد ذخيرته لقتل المزيد, وإني راضٍ ببقاء جثمانه في أرض البوكمال الطاهرة التي بذل أبناؤها النفسَ والنفيس من أجل طرد الإنكليز. لكن ـ يا سيّدي ـ حدث أمر غريب لم أجد له تفسيرًا.
ـ ما هو؟