فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 1574

قبيل الغروب، فوجئنا بالمطر ينهمر غزيرًا، ولم يعد بإمكاننا رؤية شيء، باستثناء أضواء مدينة بعيدة عنا، وكانت لسوء حظنا عكس التيار. استمر بلمنا مندفعًا بلا هدف حتى ارتطم أخيرًا بصخور. كان المطر قد توقف، والبلم هدأ اضطرابه، أخرج يوسف الولاعة من جيبه، وأضاء ليرى ماحدث، لاحت الضفة قريبة جدًا، وما علينا سوى مغادرة بلمنا، والسير في الماء قليلًا كي نبلغ اليابسة، حين وطأت أقدامنا الأرض، شعرت باللزوجة، تملأ جزمتي، كان الطين البارد يعانق قدميّ، جعلني هذا الدبق الشهيّ أغني، أسكتني يوسف بإشارة من يده، سكتَ، ولحقت به. كانت الرؤية متعذرة، وأصوات البوم تبعث الرعب، ارتفع أمامنا شجر كثيف، ونقت ضفادع من هنا وهناك، تقدمنا بين الجذوع الضخمة، حتى وصلنا إلى مكان مليء بأشجار التفاح، ميزها لنا ثمرها القريب من رؤوسنا، صرنا نقطف حبات التفاح ونلتهمها بشراهة قد هدنا الجوع واستشرى بنا التعب، غالبنا النعاس، فبحثنا عن مخبأ لجسدينا المنهكين، لم نجد آمن من النوم متكئين على جذوع الأشجار الضخمة. كان الفجر حين استيقظا، قد بدأ يوزع خيوط صحوه على رؤوس الأشجار الضخمة، كانت نخيلًا شاهقًا سمعنا أصوات فلاحين يهبطون الطريق المؤدية إلى النهر راقبناهم، حميرهم تتراكض محدثة ضوضاء مثيرة، لم يخطر في بالي أبدًا أن مراقبة الحمير سوف تكون ممتعة لي يومًا ما، اختبأنا خلف شجرة جوز عملاقة، وصرنا نتهامس، كان الفلاحون يتكلمون على عاصفة الأمس وأثرها السيء على الكوسا والخيار.

قالت امرأة: وفوق كل هذا جاء المطر، مطر الصيف لعنة، قال رجل: شيء يحرق القلب.

ومضوا، وجاء غيرهم، وكان الحديث نفس الحديث. حين ابتدأ عملهم، قررنا يوسف وأنا الخروج والسير إلى وسط المدينة، غادرنا مخبأنا وسرنا على الطريق، لكزني يوسف وقال: أشعر بأننا في مكان بعيد، قلت: وأنا كذلك فوجئنا بفلاحين يتجهان نحونا، لم يعد بإمكاننا الهروب، لأنهما شاهدانا، تقدم الفلاحان ببطء، كنا نتعثر في مشيتنا قلت ليوسف: سنطلب منهما المساعدة، الفلاحون طيبون. اقتربا ثم قالا السلام عليكم. وتابعا مسيرهما.

كاد عقلي أن يطير حين أدركت أننا لم نغادر مدينتنا. احتضنني يوسف وصرنا نرقص ونغني كالمجانين.

عدت إلى البيت وقد أثقلني إعياء الرحلة، كان أهلي قد استيقظوا من نومهم، قالت أمي: أين كنت، فلم أجبها اندسستُ في سريري، وحينما استيقظت، أخبرت همام بالقصة كلها، فضحك، وقال لي: لابد أنك كنت تحلم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت