فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 1574

الطوبجي انكحف راسه ... والرشّاش انجيبو ميسّر

الطيارات الحرقناهن ... غرب الجفرة خلّيناهنْ

ميكال المارد ويّاهن ... بالمطر لوز انجيبو ميسّر

كانت الثورات متلاحقة لم تهدأ يومأً إلاّ بعد استشهاد قائد قوّات الريف / حمود الحمادي / الذي أسكت وحده سرية كاملة من قوات الفرنسيين، حتى إذا ما انتهت ذخيرته راح يصيح:

(اليعطيني مشط رصاص يأخذ بنتي فضة) ولم يهرب لأنه طلب شدّ وثاق ساقيه. قتله الفرنسيون، وقطعوا رأسه، وأخذوه إلى جهة مجهولة، ودفن بلا رأس... ولقد رثته امرأة عجوز فقالت:

لا تهيّجون الظعن بيها العوادي ... وذبّح السودان حمود الحمادي

غنّي وهلهلي يامّ العيون السود ... يا فضة وصالحة حمود رافع البنود

أما مدينة دير الزور, فلملمت جراحاتها، وشيّعت شهداءها بكل فخر وشموخ .. شيّعت: (ديكران، ميرنا أم سلطان، وأبا طارق ) ، وقد أقامت دير الزور حفل وداع لهم ألقى خلالهما علي بك والأب مردخيان والشاعر الفراتي كلمات وقصائد أججت المشاعر، ودفعت الثوار لمزيد من النضال ضدّ الفرنسيين، وانتشرت مجالس التهنئة باستشهادهم في كلّّ حيّ وشارع وزقاق.

السنون تمر ثقيلة مكفهرّة .. غيوم سوداء, وريح عاتية، بروق ورعود قصفت رؤوس الأشجار، ولوت أعناق المزروعات .. في كلّّ بيت نواح وعويل، وفي كلّّ حيّ مأتم..

فقر وعوز وحرمان لف المدينة فأرّقها، والعيون ذابلة تتطلع إلى الله بتذلّل وانكسار ..

كثرت المقاهي على شاطئ الفرع الصغير، والشيوخ يدفنون الوقت بأحاديث عرجاء، بعضهم يترحمون على العثمانيين، وآخرون يشتمون دون حياء فيصلًا والحسين وعليًا وزيدًا وعبد الله، وسقاه المقاهي يهزون رؤوسهم أسفًا لأنهم لا يفهمون ما يقال، وما يجري، وما يدور.. لكنهم يعرفون من استُشهد، ومتى وكيف..

قال أحد الشيوخ للساقي الذي يهز رأسه باستمرار:

ـ من استشهد اليوم يا هزّاز؟

وضع الهزاز أمام الشيخ كأسًا من الشاي، وجلس قبالته، وقال:

ـ تصور يا أبا محسن أن شهداء اليوم كنّا نحسبهم من الجبناء، وكنت أنا أسخر منهم عندما كانوا يأتون إلى المقهى، واليوم احتقرت نفسي، وأكبرتُ فيهم شجاعتهم.

ـ ومن هم؟

ـ ابن علوش، وابن عبوش، وابن كردوش. كانوا لا يفترقون إلا عند النوم، وجاءهم الموت ليجمعهم من جديد. يا قدرة الله!

ـ أين استشهدوا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت