وكأن عائشة فجأة وجدت حلًا سريعًا يقطع صلتها بهذا البيت، كانت تريد أن يكون سفر مريم هو نقطة النهاية أو على الأقل الوقوف على النهاية للحياة البائسة التي عاشتها هي وأخواتها في هذا البيت
استمعت إليها شماء بدهشة: إن ما تقوله منطقي، لكنه ذو منطق قاس، فقرارهن محكوم بواقع مر لئيم يدفعهن إلى الهروب والتخلص منه بأي شكل، حتى لو كان سفر مريم وحيدة إلى دولة غريبة. شد ما آلمتها الواقعية المجردة التي تتحدث بها عائشة. وأطرقت تفكر. عادت عائشة تؤكد:
-إن بقاءها هنا يعني عيشها على الأقل أربع سنين قادمة في بيت قاسم وأنت تدركين معنى ذلك. ثم إنها فتاة جريئة ولا خوف عليها.
فقالت شماء:
-على كل حال رأينا لا يعني شيئًا، فيجب أن نقدم الطلب أولًا ومن ثم تكون قالت ذلك وبداخلها أمنية عميقة أن يتم رفض الطلب.
قدمت مريم بعد عدة أيام طلبًا للدراسة في الاتحاد السوفييتي.
عادت في ذلك اليوم من المدينة المجاورة دون أن تلاحظ مسافة الطريق فقد طار فكرها مع الطلب ووصل البلاد البعيدة حين وصلت هي إلى بيتها. وبعد وصولها بقليل حضر شخص اكفهرت حين رأته، فقد كانت تعرفه جيدًا لكثرة تردده عليهم من قبل. فزيارته عادة كانت تجر وراءها مشاكل عديدة. كان قريبهم الذي كفل قاسمًا في البنك حين حصل على القرض لبناء البيت.
لم يكن قاسم موجودًا ذلك اليوم في البيت، ورفضت زوجته الخروج لاستقبال الرجل مدعية أنها مشغولة بأحد أطفالها الصغار، فاضطرت الأم من جديد لاستقباله.
ما أن جلس حتى راح يفرغ حنقه وغضبه:
-تعبت يا أم قاسم من سلوك ابنك هذا. فها قد مرت ثلاث سنين على استلامه القرض وهو ينتظم مرة ويتخلف عشرًا عن تسديد الأقساط. إني لعنت اللحظة التي وافقت فيها على كفالته مئات المرات ليتني لم أفعل، ليتني أخذت بنصيحة من حولي. كل الناس حذروني من أن قاسمًا سيزجني في مآزق كثيرة، لكني تجاهلت النصائح وأردت لكرم أخلاقي أن أقوم بعمل طيب -وعلا صوته- والنتيجة أو المكافأة على هذا العمل الطيب هو تخلفه الدائم عن تسديد الأقساط. ماذا ينتظر؟! هل يريد أن أسدد القرض عنه؟
طأطأت الأم رأسها وقالت بأسى:
-لا ليس هذا ما يريده. لا بد أن لديه أسبابًا قوية للتخلف.
كانت الأم تدرك أن قاسمًا لا يقصد بسلوكه الإساءة لهذا الشخص، وإنما يقصد مرتب شماء، فراح يتخلف عن تسديد الأقساط منذ أن بدأت شماء باستلام مرتب.
رد الرجل بغضب: