واجهته الأم في البداية بوجه غاضب وراحت فورًا تشاجره بكلام فوضوي لا تستطيع السيطرة عليه، فتكيل الشتائم مرة ومرة أخرى تعاتبه وهي تبكي وتتذمر من سوء حالها، فلولا مرتب شماء لتضورت جوعًا. فهم قاسم أن رده يجب أن يكون ذكيًا وهادئًا لأن ثورته ستصعد الموقف فقال:
-أنت محقة في كل ما تقولين يا أمي. لكنني صدقًا لا أعرف ماذا أفعل، فالعمل يسير بشكل سيء ولا أستطيع أن أحصل على ما يكفي من النقود لتسديد جميع التزاماتي، فإذا تأخرت قليلًا عن دفع أجور العمال هددوني بالذهاب للشرطة وسجني، وقد فعل أحدهم ذلك قبل يومين، وكنت على وشك دخول السجن، لكنني أخفيت الأمر عنك كي لا تقلقي، وقمت بحل المشكلة سريعًا- واسترق نظرة لأمه كي يتيقن من ردة فعلها، وكانت قد شهقت وخبطت بيدها على صدرها.
ثم استمر بعد أن تنهد:
-ومن جانب آخر أسرتي كبيرة وما أجني من نقود لا يكفي لإشباعها إنني أجد نفسي في ورطة. التزامات من كل جانب. وأحس أنني سأتقطع في العمل ومع ذلك لا أستطيع أن أفي بكل شيء.
ثم تنهد مرة أخرى وأردف:
-لا أدري ما العمل. لا أدري. سأحاول اقتراض المبلغ من أحدهم لأعيده بدل القسط.
وصمت قليلًا ثم أضاف: - خلال هذين اليومين يجب أن أحل المشكلة. فلا تقلقي.
اعترت الأم مشاعر مختلفة: أتتركه يبحث عن أحد يستدين منه المبلغ ليحل مشاكله بنفسه أم تساعده وتعطيه المبلغ، فإذا لم تقف هي إلى جانب ابنها في محنته فمن سيقوم بذلك. لكن هذا يعني تقشفهم من جديد خلال الشهر.
لم تفكر الأم طويلًا وقالت بحزن:
-لا تبحث عن أحد يا قاسم، سأعطيك المبلغ أنا، فقد سلمتني شماء مرتبها منذ أيام.
أخفى قاسم ابتسامته بأن وضع السيجارة في فمه مغطيًا إياه بيده وقال:
-لكنني لا أريد أن تسوء حالكم بسببي.
فانطبعت على وجه الأم ابتسامة ساخرة:
-لا يهم. سنقتصد في هذا الشهر أيضًا. ثم إن كفيلك يهدد ويتوعد. وقامت لتجلب المبلغ قائلة وهي تعده له:
-أسرع وسلمه إياه ولا تتأخر لأن كل ما يحدث عيب وليس بالسلوك المحمود.
فأخذ قاسم النقود وقال بأنه سيعيدها في الصباح.
فقالت الأم:
-لتكن هذه هي المرة الأخيرة يا قاسم. لقد هددتني شماء بأن تتوقف عن التنازل عن مرتبها إذا بقيت على هذه الحال. فهي تعمل ولا تبقي شيئًا لنفسها مما تجني كي لا نموت جوعًا.
رد دون أن يلتفت نحوها وهو واقف في الباب:
-حسنًا سأحاول أن تكون المرة الأخيرة.
وتوجه نحو بيته.