فهرس الكتاب
حاول الجنرال /جاكو/ بكل ما يتمتّع من ذكاء وفطنة وحنكة، فأخفق إخفاقًا ذريعًا. قال له أحد الشيوخ:
ـ أنا لا أقبل هداياك وعطاياك يا جنرال، وأقسم بالله أنني وعشيرتي لو أكلنا أوراق الشجر لن نسمح بالانفصال عن سورية الأم، ولن نهادن دعاته بكل ما نملك من قوة وعزيمة.
غضب الجنرال جاكو من هذا الشيخ الذي كان يعدّه ليّنًا ومطواعًا فطرده، وتوعّده، فذهب الشيخ إلى عشيرته وهو يصرخ بالكبير والصغير، بالذكر والأنثى: إلى السلاح... إلى السلاح. فاشتعل الريف نارًا حامية
أمَّا في المدينة، فقد تشكلت لجنة عليا للحرس الوطني. هاجمت فرقُ الشباب منها ثكنات الفرنسيين وأماكن تواجدهم، واستشهد عدد كبير من المناضلين أبرزهم: سركيس بن ميرنا زوجة أبي سلطان، وسامي زوج حميدة، ورشود، وحمود... وهرب الجنرال جاكو أمام ضربات المقاومة. ولما ضاقت فرنسا ذرعًا بأساليب المناضلين ووسائلهم عمدت إلى اعتقال وجهاء المدينة ظنًّا منها بأن هذه الوسيلة سترغم الشعب الغاضب على الهدوء ونبذ العنف، ولكن المدينة خرجت بأسرها تناهض الاحتلال والطرق الدنيئة التي يسير عليها قادة الفرنسيين، ممَّا اضطر الجنرال جاكو إلى الإفراج عن المعتقلين شريطة وقف الثورة.
سكتت البنادق والهتافات والتظاهرات فترة وجيزة، لكن فرع العصبة الوطنية وقادته رفضوا المهادنة، وآلوا على أنفسهم اتخاذ أسلوب آخر للمقاومة، فدعوا الطلاب إلى الإضراب العام مدة ستين يومًا، وتعهدّ أثرياء المدينة والريف بدعم الفقراء وذوي الحاجة.
حاولت فرنسا فك الإضراب وإعادة الحياة إلى ما كانت عليه سابقًا، لكنّها اصطدمت بكوكبة من الملثّمين أقضّوا مضاجع جنودها، وفتكوا بالكثير منهم.
ضاعفت فرنسا قواتها المدجّجة بالسلاح، وحاصرت الملثّمين. فلم تتمكّن إلا من واحد منهم سقط من صهوة جواده جريحًا، وحُمل أسيرًا... استطاع المناضلون بعد معركة دامية فك أسره، وحمله إلى بيت أحد الوجهاء لمعالجته، وكم كانت دهشة الثوار عظيمة عندما كشفوا اللثام عن وجهه... لقد كانت (شاكي) أم ترفندا، حَماة أبي ياسين... تلك المرأة التي لم تكن تتكلم إلا بطلب رسمي، تلك التي تذكّر المؤنّث وتؤنّث المذكر في أقوالها مثل ابنتها أم ياسين. يا لهذه المرأة الشجاعة! التي نذرت نفسها لله ولسورية، لدير الزور المناضلة ولأهلها الذين احتضنوها وابنتها وبنات جلدتها... أرادت أن تضرب مثلًا رائعًا في الوفاء، وكان لها ذلك.