ـ لن أدعك تذهبين اليوم.
ـ فهد.. أشكرك من كل قلبي. أشعر أن فؤادي سينفطر لو لم أعد اليوم إلى بيروت.
حسنٌ. تمهّلي قليلًا سأوصلك إلى المطار. وطبعًا لولا فهد لما كنت سأستطيع العودة كما قررت. سهّل لي الكثير من الأعمال من حجز وحمولة وأشياء أخرى. قبّلته على وجنتيه. ففي هذه اللحظة فقط شعرت أنه أخي وزوج أختي السابق.
وكم أستغرب هذه المرة بأنني لم أشعر بالخوف عند صعود الطائرة أو عند الهبوط، بل كنت أشعر بالخوف لو لم أصل.
ركبت سيارة أجرة وطلبتُ من السائق التّوجّه إلى منزلي وبعد أن وصل نصف الطريق طلبت منه التوجّه إلى عنوان فؤاد في المكتب الذي كانت تزوره فيه ميس. دفعت الحساب ونزلت مع حقيبتي وما إن وضعت قدمي على الرصيف حتى ترامى إلى سمعي أغنية عذبة بعذوبة الصوت المخملي الذي يغنيها وهي تنطق (الأمل) نظرتُ حولي فوجدت الشوارع والأطفال والمحلات والنساء وكل شيء في هذا البلد بعذوبة ذات الأغنية.
تابعت السير حتى وصلت المكتب. كان يجلس خلف طاولته وكانت الساعة حوالي العاشرة صباحًا شعر بقدوم أحدهم فرفع رأسه الثقيل ككرتنا الأرضية، ثم وقف مذهولًا. وتقدم نحوي. أمسك كلتا يديّ. لم ينطق بحرف واحد. وأخذ يدور بي ببطء. أجلسني على كرسي وجلس أمامي على آخر ـ تلاقت النظرات واختلط بها العتاب مع العشق. دعيني أوصلك إلى المنزل. طاوعته. حمل حقيبتي وزجّها في مؤخرة سيارته، ولم ينطق بحرف. ما كان في تلك اللحظة محتاجًا للكلام. كلّ ما فيه كان يحكي، وكلّ ما في كان يستمع، ومع هذا كنا في منتهى الصراع. ثم صعدنا المنزل فتحت باب الشقّة وقلت تفضّل ـ استدار لينزل. ناديته: فؤاد. ادخل ـ أريد أن نتكلّم.
لم ينطق أيضًا. نظر إليّ بعين تترقرق فيها أصدق دمعة في العالم، ونزل السلّم ثم التفت نحوي ليقول: رولى
ـ نعم.
ـ أحبّك!!
ـ وأنا أحبّك فؤاد.
ثم ركض نازلًا الدرج بأسرع من الخيال.
مضى وقلبي خلفه ـ دخلت المنزل وأوّل ما صنعته هو أنني استمعت إلى الرسائل الصوتية على الهاتف.
رسالة من لؤي ليطمئنّ عليّ.
رسالة من عابث يبحث عن فريسة وحيدة.
رسالة من ذاك الشرطي الظريف تقول رسالته: آنسة رولى نحن حقًا في غاية الأسف، ونعتذر عن عدم إمكانية الوصول إلى تلك الفاتنة، اتصلتُ بك عدة مرات والحقيقة لا توجد لدينا سوى احتمالات لا نستطيع إثباتها، ولقد أقفلنا المحضر على أن غيابها مجهول، فنرجو مرة أخرى المعذرة.