الشام تتمرد على النعاس، يشرق حسنها، مفاتنها واضحة كالشمس، طلتها كلها إغراء وإغواء، تستحم بطيوبها، تنحدر النجوم على أرصفتها شلال نور وشموع، تحيل الكلمات إلى أغان، تحيل الورد والياسمين إلى عطور، طوفان من الحب يحيل المدينة إلى نهار، الليل ينام جانب أبوابها ينتظر الإذن بالدخول، ينتظر أن يسيطر الوسن على أعين سكانها، يحاول أن يصل إلى الرموش، تطرده الأنوار، تصحو باكرًا وهي تتحدث بروعة السهرات والأمسيات الهادئة، منها أمسية لم تنم فيها المدينة لحظة، نامت الريح والعتمة نومًا عميقًا، نسيمات تستدر الغناء في البيوت. من الذي يغني؟ من التي تصدح بأبيات شعر؟ ومن التي سببت هذا الشعاع الذي أنار المدينة لثوان؟ تساؤلات أطلقتها أكثر من حنجرة، لم تكن الإجابة حاسمة، إذ قيل بأن تلك الليلة كانت ليلة حالمة، ليلة ولادة فرات، لحظة شقت طريقها إلى الحياة، تحوّل قاسيون إلى نجم وهالة نورانية، أورقت الأشجار وأزهرت ونأت بحملها، أما بردى فتحول نبعه إلى نهر من لبن وعسل طوال المخاض.
علمت أمها أن شأن ابنتها سيكون عظيمًا، نذرت أن تعطيها لشخص يناسبها، يحفظ دينها وجمالها، أخبر الأب زوجته أن زائرًا جاءه وعليه أن يسميها فرات تيمنًا بالماء العذب، لم تكن الأم موافقة على الاسم ظلت تناديها بغيره سنوات. لكن الطفلة أحبت اسم فرات، فلم تعد تجيب أحدًا إلا إذا ناداها به، مولودة في ليلة الجمعة المباركة، التي يسهر فيها سكان المدينة حتى الصباح، يعبون من ماء بردى قبل تلوثه، وماء الفيجة بعد أن يوزع على البيوت، وربما لهذا ساد اعتقاد أن القيامة لن تكون في تلك الليلة، هناك الحريصون على دفع السماء إلى الأعلى، وعدم تمكينها من تغيير مكانها أو الانطباق على الأرض.
نظر حامد إلى عيني فرات، سعيد بما سمع عن يوم ولادتها، وسعيد بمعرفته بالشام والغوطة وبها، يريد أن يحتفظ بالثلاثة، أن لا يتخلى عن واحدة. قال:
-أصدق ما تقولين!
-ما فائدة ذلك وقد فقدت أحلامي!
مد يده إلى دفترها: «هل تسمحين؟»
نكست رأسها ولم تجب، نظر إلى عينيها، فإذا بالمرح يسرح فيهما، رفعت يدها عن دفترها، وأردفت ذلك بابتسامة، سحبه وفتحه، شاهد صورتها، تأملها، حاول إمساكها، لكن يدها امتدت، غير الصفحة وهو يبتسم، طالعته صفحة أنيقة عليها رسمة دب، قرأ اسمها المكتوب بخط أنيق واسم مدرستها، قلب صفحاته، كل صفحة فيها جديد، فيها فن، بصوت مرتفع قرأ: