«فرات الوردان. مدرسة النيل الثانية للبنات» .
حدجته بنظرة سريعة، نظرة حائرة وطيف ابتسامة على شفتيها، هزت برأسها ولم تعلق، أردف:
-فرات اسم جميل!
هزت كتفيها وزمت شفتيها. هذه الحركة تفردت بها. أشعلت ابتسامة جديدة، اشتعل قلبه فرحًا، تطلع إليها منتظرًا أن تقول، أن تعلق بشيء، بعد وقت قالت:
-اسم عادي!
-بل اسم كله ندى وموسيقا، فيه طرب وخصب وجمال.
بدا الانشراح على محياها، عيناها تبرقان، تعانقان الموجودات، وابتسامتها الدافئة تعيد التوازن لشخصيتها، فجرت في داخله فيضًا من العواطف، شعر بدمه يسرع، يسابق الشرايين إلى فؤاده، يستجيب لانشراحها، عيناه تسرحان في عينيها، يدقق في تقاطيع وجهها الذي يشي بروح متقدة وارتياح وفرح، تابع حديثه:
-أأنت من هنا؟
-أنا من دمشق!
أعلنت باعتزاز ومالت بجسدها إلى اليمين، أصدر ثوبها حفيفًا، بينما غطى اللون القرمزي وجهها، تحاول إعادة الدفء إلى روحها وقلبها، تتدفق الأحلام من نظراتها، احتفظت بابتسامتها أطول فترة ممكنة.
حدقت إليه، وجه طفح، عينان سوداوان، أنف دقيق وشاربان في بداية تكونهما، شعر أسود خشن وجسد تبدو عليه القوة، كادت تسأله من أين أنت؟ إلا أنها عرفته من لهجته أولًا ولونه الحنطي، وفراستها المستندة إلى مسحة الحزن والألق المشع في عينيه. ابتسمت وتململت في جلستها، بدا جمالها عاريًا من الشوائب، جمال مربك، يحاصر، يدهش، أوحت عيناها بما أرادت القيام به، همست بأنها تود المغادرة، طلب فنجاني قهوة، عاد ثانية لتقليب دفترها، يتوقف عند بعض الصفحات، وهو يبدي اهتمامًا زائدًا ويطلق عبارات استحسان، دائم النظر إلى ثغرها، أحس بتغريد العصافير، بجاذبيتها، حدق بها وقال:
-أنت لست جميلة فقط، بل وفنانة بامتياز!
ـ 3 ـ
هذا أنت يا حامد لم تغيرك الأيام، لم تنس أنك أُخرجت من بيروت بعيد الاجتياح الإسرائيلي، سافرت مع من سافر إلى اليمن، في عدن أحسست بالرطوبة التي لا تطاق، بعيدًا عن مسقط رأس والدك، وعن مسقط رأسك، لم تتوقع أنك ستسأل عن سفرتك القسرية، تظن أن تنقلك بين أقطار الوطن العربي مسألة عادية، لكن الكثير مما تعتقده صدمك، تعيش مأساة تشرد جديدة، شوارع المدينة العريضة حفظتها، شاطئ البحر برائحته الزنخة أبعدك عن (الكورنيش) ، الناس طيبون ومتواضعون، إلا أنك لم تستسغ جلسات مضغ القات وتخزينه.