فهرس الكتاب

الصفحة 951 من 1574

أضعتَ أيامك، ذاكرتك المشوشة تؤلمك، تعيدك إلى الماضي، بتَّ لا تستطيع المكوث في غرفتك، تحولت إلى متسكع بين البحر والشوارع والحانات، شعرت باليأس يغزوك، فجأة قررت إنهاء تشردك والعودة إلى الغوطة، جافاك النوم، جداول وروافد من السنين السالفة، تتسلل إلى نوافذ ذاكرتك، عبق الغوطة ينتشر في أوردتك وصدرك، تحمرُّ عيناك، تهذي.

مكتوب عليك العودة إلى دمشق في ليلة خريفية حالكة الظلمة شبيهة بليلة ولادتك، بعد أيام شعرت بنشوة تتوحد بجسدك، نشوة جعلتك تحسُّ بالدفء، تراقب الشمس كيف تشرق وترتفع في الجو جارة جدائلها. شفّت السماء عن نهار جميل وسماء عالية مرحة، لم تكن مشتاقًا لخالتك كثيرًا، تابعت سيرك، تركت الأقدار تسيرك، تنفذ قرار نقلك، تدعي أنه جاءك بلا سبب، لا شيء يأتي من فراغ، فتش عنه في حديثك وفي تعليقاتك الساخرة وفي أشياء أخرى تعرفها ولا تريد أن تصرح بها، اتهموك أنك غير مرن، تظن أن الأمور «فلتانة» ، لم تتعلم بعد ما يجنبك المساءلة، أن توظف داخلك أحد الضباط الغيورين على مصلحة الوطن، فلا تعود تتفوه بكلام فارغ، اليوم جاءك النقل، نزل عليك من السماء، شيء لا راد له، عليك أن تكيف نفسك، كنت تصل مدرستك بنصف ساعة، أما اليوم فتحتاج إلى ما يزيد على ساعتين، وإذا تماديت لا شيء أمامهم إلا الفصل.

ارتديت معطفك ودمدمت بأغنية حزينة، حاولت أن تجيب على أسئلة طرحتها على نفسك، مزاجك لم يكن على ما يرام، انتبهت إلى المكان الذي ستحط قدمك فيه، إذا زلت ستسبب لك متاعب أنت في غنى عنها الآن، السماء تفيض دموعًا، وعيناك جمرتان تحرقانك. نظرت في المرآة، ومسدت بيدك على المعطف الذي ما يزال يفي بالغرض لهذه السنة. فتحت المظلة بعد أن سويت شريط الحديد المحني. سنوات ومدرستك لا تبعد عن بيتك إلا قليلًا. تبدأ حياة جديدة، ستضطر فيها إلى تغيير نظام حياتك. عليك أن تأخذ الباص إلى ملعب العباسيين ومن هناك وسيلة نقل أخرى توصلك. تحشر جسدك بين الصاعدين. الباص يقف في المواقف الرسمية، وأحيانًا في غيرها إذا طلب أحدهم ذلك بصوت عال وبلهجة تنم على أنه مدعوم. وبين وقوف السائق أو عدم وقوفه يتلقى سيلًا من الشتائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت