التراقي، وسلكوا فيها السلاسل، وشدوها إلى حنايا بيت المقدس، فهاله ذلك فرجع إلى أبويه، فمر بصبيان وهم يلعبون فقالوا: يا يحيى هلم فلنلعب. قال: يا هؤلاء ما للعب خلقت. فذلك قوله تعالى: {وآتيناه الحكم صبيًّا} . فأتى أبويه فسألهما أن يدرعاه الشعر ففعلا، ثم رجع إلى بيت المقدس، فكان يخدم فيه نهارًا، ويسبح ويصلي ليلًا، حتى أتت عليه خمسة عشر سنة، وأتاه الخوف والرهبة من الله، والإشفاق من ناره وعذابه، فساح وخرج من المدينة، ولزم أطراف البلاد وعيران الشعاب، وخرج أبواه في طلبه حتى صارا إلى جبال الثنية، فانحدرا منها على بحيرة الأردن، وإذا بيحيى قد جلس على شفير ماء البحيرة، وقد أيقع قدميه في الماء، والعطش قد كاد أن يذبحه وهو يقول: وعزتك لا أذوق بارد الشراب حتى أعلم أين مصيري، إلى جنة أم إلى نار. فبكى أبواه وسألاه أن يأكل قرصًا كان معهما من شعير، ويشرب من ذلك الماء، فرق لهما يحيى ففعل ذلك، وكفر عن يمينه، فذكره الله تعالى بالبر، فقال عز وجل: {وبرًّا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًّا} . ورده أبواه إلى بيت المقدس، فكان إذا كان في صلاته بكى، ويبكي زكريا لبكائه حتى يغمى عليه، ويبكي أهل المنازل ومن كان من العباد حولهما لبكائهما، فلم يزل كذلك حتى خرقت دموعه خديه، فقالت له أمه: يا يحيى لو أذنت لي لاتخذت لك لبدًا يواري هذا الخرق. قال: أنت يا أمه وذاك. وكره معصيتها، فعمدت إلى قطعتين من لبد فألصقتهما على خديه، فكان إذا بكى استنقعت دموعه في القطعتين، فتقوم أمه فتعصرهما، فكان يحيى إذا نظر إلى دموعه