كتب الله المنزلة على بني إسرائيل، وهذه لغة القوم، ومعناها: الذي قام الله تعالى بتشريفها، وتعظيمها بنفسه، قبل أن يبعث إليه أنبيائه فيعظمونها ويشرفونها، وينبهون الخلق عليها. وقوله: قام الله عليها، وكانت مقامًا له، أي: شرفها بذلك قبل أن يشرفها الخلق؛ لا أن ذلك يقتضي القيام بالجارحة أو التحيز إلى جهة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وهذا أيضًا موافق للغة العرب؛ لأن الله تعالى قال في كتابنا: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} . قال أهل التفسير: يأخذها بما جنت، ويثيبها على ما أحسنت. وقال تعالى: {إلا ما دمت عليه [قائمًا] } . أي مواظبًا بالاقتضاء والمغالبة، ولم يرد القيام بعينه. وكذلك قوله تعالى: الحي القيوم}. قال مجاهد: هو القائم على كل شيء. وقال قتادة: القيوم: القيام على خلقه بأرزاقهم وآجالهم. قال الكلبي: القيوم: الذي لا بديل. ومنه قول الشاعر:
إن ذا العرش للذي يخلق الخلق ... وحي عليهم قيوم
فقد وافقت اللغة العبرانية العربية في هذا المعنى، وفي الكتب القديمة من هذا المعنى كثير؛ لأنها لغة القوم، والله تعالى إنما يخاطب كل قوم بلغتهم، ومن أجل ما فيها من هذا الفن غلط كثير من الناس في التأويل، وتشعبت بهم الطرق، فالنصارى تذهب في قول المسيح صلى الله عليه وسلم في الإنجيل: (( أدعو أبي ) )، (( وأذهب إلى أبي ) )، وأشباه هذا، إلى أبوة الولادة، ولو كان المسيح قال هذا