فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 163

وهذا الانفراد المطلق، ولا سيما انفراده بخصائصه عن كل شعر بعده من شعر العرب انفسهم، هو وحده دليل كاف على صحته وثبوته.

ولقد شغلني اعجاز القرآن كما شغل العقل الحديث، ولكن شغلني أيضًا هذا الشعر الجاهلي وشغلني اصحابه فأديّ بي طول الاختبار والامتحان والدراسة الى هذا المذهب الذي ذهبت اليه، حتى صار عندي دليلًا كافيًا على صحته وثبوته.

فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم رأيتهم في هذا الشعر أحياء يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق، وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون.

كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس وبحة المستكين وزفرة الواجد وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني كأني لم أفقدهم طرفة عين ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم ولم تغب عني مذاهبهم في الارض ولا مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حيًا في هذه الارض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم (جزيرة العرب) .

وهذا الذي أفضيت اليه من صفة الشعر الجاهلي - كما عرفته - أمر ممكن لمن اتخذ لهذه المعرفة اسبابها بلا خلط ولا لبس ولا تهاو ولا ملل.

وهذه المعرفة هي أول الطريق الى دراسة شعر أهل الجاهلية من الوجه الذي يتيح

لنا أن نستخلص منه دلالته على أنه شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الاسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت