فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 163

ولم يستحل على اللّه عز وجل أن يُري عباده المؤمنين نفسه في جنانه» (1) .

حقيقة الرؤية وكيفيتها عندهم:

قالوا: «الرؤية معنى لا يتأثر به المرئي ولا يتأثر منه لا بإفعال ولا بانفعال» (2) .

وذلك المعنى هو (الادراك) .

وعرّفه الآمدي بأنه «عبارة عن كمال يحصل به مزيد كشف على ما يخيل في النفس من الشيء المعلوم من جهة التعقل بالبرهان أو الخبر» (3) .

وقال الغزالي: «الرؤية: نوعُ كشفٍ وعلمٍ، إلا أنه أتم وأوضح من العلم» (4) .

ويوضح الآمدي المقصود من زيادة الكشف التي تحصل من الادراك، ليصل منه الى بيان مقصودهم من الرؤية، فيقول:: «وبهذا نجد التفرقة بين كون الصورة معلومة للنفس مع قطع النظر عن تعلق الحاسة الظاهرة بها، وبين كونها معلومة مع تعلق الحاسة بها.

فاذًا هذا الكمال الزائد على ما حصل في النفس بكل واحدة من الحواس هو

(1) الابانة 17.

(2) غاية المرام 166.

(3) م. ن.

(4) قواعد العقائد 171.

المسمى ادراكًا - كما مضى.

وقد بينا أن هذه الادراكات - فيما مضى - ليست بخروج شيء من الآلة الدرّاكة الى الشيء المدرّك، ولا بانطباع صورة المدرّك فيها.

وانما هو معنى يخلقه اللّه تعالى في تلك الحاسة.

وقد بينا أن البنية المخصوصة ليست بشرط له - كما مضى -، بل لو خلق اللّه ذلك المعنى في القلب أو غيره من الاعضاء لكنا نسمّي ذلك مدركًا.

واذا جاز أن يخلق اللّه تعالى في الحاسة زيادة كشف وبيان بالنسبة الى ما حصل في النفس، فلا محالة أن العقل لا يحيل أن يخلق اللّه تعالى للحاسة زيادة كشف وايضاح بالنسبة الى ما حصل في النفس من العلم به، وأن تسمّى تلك الزيادة من الكشف إدراكًا.

والجاحد لذلك خارج عن العدل والانصاف، منتهج منهج الزيغ والانحراف.

ومن عرف سر هذا الكلام عرف غور كلام أبي الحسن في قوله: «ان الادراك نوع مخصوص من العلم لكنه لا يتعلق الا بالموجودات» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت