ولا نشك ولن نشك أن الرؤية والابصار يحتاج الى عمل طبيعي في جهاز الابصار يهيّئ للبصار صورة مماثلة لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه.
وبالجملة: هذا الذي نسميه الابصار الطبيعي يحتاج الى مادة جسمية في المبصر والباصر جميعًا، وهذا لا شك فيه.
والتعليم القرآني يعطي إعطاء ضروريًا أن اللّه تعالى لا يماثله شيء بوجه من الوجوه البتة، فليس بجسم ولا جسماني، ولا يحيط به مكان ولا زمان، ولا تحويه جهة، ولا توجد صورة مماثلة أو مشابهة له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتة.
وما هذا شأنه لا يتعلق به الابصار بالمعنى الذي نجده من أنفسنا البتة، ولا تنطبق عليه صورة ذهنية لا في الدنيا ولا في الآخرة ضرورة، ولا أن موسى ذاك النبي العظيم أحد الخمسة أولي العزم وسادة الانبياء (ع) ممن يليق بمقامه الرفيع وموقعه الخطير أن يجهل ذلك، ولا أن يمني نفسه بان اللّه سبحانه ان يقوي بصر الانسان على أن يراه
ويشاهده سبحانه منزهًا عن وصحة الحركة والزمان، والجهة والمكان، وألواث المادة الجسمية وأعراضها، فانه قول أشبه بغير الجد منه بالجد، فما محصل القول: ان من الجائز في قدرة اللّه أن يقوي سببًا ماديًا أن يعلق عمله الطبيعي المادي - مع حفظ حقيقة السبب وهوية أثره - بأمر هو خارج عن المادة وآثارها متعال عن القدر والنهاية ؟ فهذا الابصار الذي عندنا - وهو خاصة مادية - من المستحيل أن يتعلق بما لا أثر عنده من المادة الجسمية وخواصها، فان كان موسى يسأل الرؤية فانما سأل غير هذه الرؤية البصرية، وبالملازمة ما ينفيه اللّه سبحانه في جوابه فانما ينفي غير هذه الرؤية البصرية، فأما هي فبديهية الانتفاء لم يتعلق بها سؤال وجواب.
وقد أطلق اللّه الرؤية وما يقرب منها معنى في موارد من كلامه وأثبتها: كقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) - القيامة 23 -.
وقوله: (ما كذب الفؤاد ما رأى) - النجم 11 -.