حجر والدي إلى أن بلغت السابعة من العمر فأدخلني مكتب الخرطوم، فعلمت القراءة والكتابة وحفظت القرآن على رواية أبي عمرو البصري [1] ، وتفقهت على مذهب مالك، ولما بلغت الخامسة والعشرين سنة تزوجت بابنة عم لي، واشتغلت بالتجارة للتعيش بها، ثم سافرت إلى بحر الغزال [2] سنة 1273، وبعد ذلك بسنتين دخلت دُخل ابن عمي محمد عبد القادر في خدمة علي أبو عموري -من أهالي نجع حمادي بصعيد مصر، ومن التجار الكبار الذين كانوا يتجرون في بحر الغزال-، وسافر معه خلسة، فلما بلغني خبر سفره لحقتني الشفقة عليه؛ لأن بلاد الغزال كثيرة الأخطار، بعيدة الشقة، فلحقته بقصد إرجاعه، فأدركته في خلة خلعي على النيل الأبيض -مسيرة يوم من الخرطوم-، وأخذت أثبط عزمه عن السفر، فأقسم أن لا يعود إلى أن يتم سفرته، فشقّ عليَّ ذلك، وأقسمت له بالطلاق أنه إذا لم يرجع عن عزمه سافرت معه، وقد عظمت القسم ظنًا في أنه لا يرضى بسفري معه فيرجع مضطرًا، ولكنه لم يزل مصرًا على السفر، فسافرت معه وبرًّا بالقسم، ودخلت معه في خدمة أبي عموري، فسرنا في 14 محرم سنة 1272 قاصدين بحر الغزال وأنا أستعيذ بالله من ذلك السفر الذي لم أتوقع منه إلا الشر والأخطار، ولكنه جاء بأعز ما كنت أتمنى، بل كان سبب نجاحي وشهرتي ورفع منزلتي إلى مقام لم ينله
(1) أبو عمرو البصري: هو زبان بن عمار التميمي المازني البصري، أبو عمرو، ويلقب أبوه بالعلاء، أحد القراء السبعة (الأعلام 3/41) .
(2) بحر الغزال: مديرية بجنوب غرب جمهورية السودان، قاعدتها واو، كانت مديرية بذاتها حتى عام 1936، ثم أدمجت في مديرية منجلا لتتكون منهما المديرية الاستوائية، ثم عادت مديرية مستقلة عام 1948 (الموسوعة العربية الميسرة ص:329) .