أحد في السودان قبلي وهيهات أن يناله أحد في السودان بعدي، وكنت عند دخولي في خدمة العموري في حالة من العدم، ثم سرنا حتى وصلنا إلى بطائح بحر الغزال.
ثم اتفق بعدئذ أن أهالي البلاد تآمروا علينا فاضطررنا إلى أن نعمد إلى السلاح الذي كان بيدنا من علي العموري دفاعًا عن أرواحنا، فانقسم رجالنا فرقتين، كل فرقة مؤلفة من مائة رجل، ولكن الأعداء هجموا علينا جمًا غفيرًا كالذباب الهائم على الجيفة، وكان بين الأعداء شخص كبير الهامة أشبه بالفيل، فوجهت إليه ضربة أصابته بين عينيه، فخرّ بساعته صريعًا فأجهزت عليه، ثم تناولت بندقية كانت بجانبه ودافعت عن نفسي ومن معي دفاعًا باسلًا، فهزمناهم شرّ هزيمة، وكان عدد الذين أذقتهم الحمى من يدي لا ينقص عن أحد عشر، ثم توجهت لمعونة الفرقة الثانية من رجالنا فقتلت أربعة من مهاجمينا، فتشتت شمل الباقين، ثم أقمنا زريبة، وبتنا ليلة فيها، وعندئذ تغيرت معاملة العموري لي، فأتى لي من طعامه وشرابه مع أشهى المأكولات الفاخرة. اهـ.
وبعد أن أثرى زبير باشا وعظم مقامه وارتفع شأنه وأصبح سيد قومه، حدثت حوادث ترجع إلى توسيع مصر في مستعمراتها بالسودان، فقضت على الحكومة المصرية أن تستدعيه إلى القاهرة وأن تجري عليه الأرزاق، وقد أقام بها إلى أن توفي سنة 1332، الموافق سنة 1912.