قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه (29) :
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل أيكفرن بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط.
شرح الحديث
1 -هذا الحديث مما يستدل به على أن الطاعات كلها تسمى إيمانا، وأنها داخلة في الإيمان وتكوينه وأنها لا تنفك عنه وأنها أصل من أصوله.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: مراد المصنف - يعني البخاري - أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المخرج من الملة.
قال: وخص كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة وهي قوله صلى الله عليه وسلم لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها فقرن حق الزوج على الزوجه بحق الله فإذا كفرت المرأه حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغايه كان ذلك دليلا على تهاونها بحق الله فلذلك يطلق عليها الكفر لكنه كفر لا يخرج عن المله ويؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لامور الإيمان من جهة كون الكفر ضد الإيمان.
2 -وبهذا الحديث يستدل أهل السنة في تقسيمهم للكفر إلى كفر أكبر وهو الموجب للخلود في النار، وكفر أصغر وهو المراد في هذا الحديث ويطلق عليه كفر النعمة.
وكذا الشرك يقسمونه إلى أكبر كالإشراك بالله تعالى وعبادة غيره، وشرك أصغر كالرياء.
وكذا الفسق فإنهم يقسمونه إلى فسق أكبر موجب للخلود في النار وفسق أصغر كشارب الخمر ونحوه من المعاصي التي لا تخرج صاحبها من الملة.
وفارقوا بذلك المعتزلة والخوارج لأنهما يشتركان مع أهل السنة في جعل العمل ركن من أركان الإيمان لكن أهل السنة لا يخرجون المسلم من الإيمان بتركه بعض شعائر الإيمان وإنما وقع الخلاف بينهم في تارك الأركان الأربعة فقط، أما بقية الشعائر فلا يكفر من تركها قولا واحدا.
أما المعتزلة فيجعلون مرتكب الكبيرة بمنزلة بين المنزلتين فلا هو مؤمن ولا هو فاسق، وأما الخوارج فيكفرون بالكبيرة.